الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
( قال ) : ولو كانت قالت له : طلقني ثلاثا على ألف درهم ، أو على أن لك علي ألف درهم فطلقها واحدة قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى تقع تطليقة رجعية ، وليس عليها شيء من الألف ، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى : يقع عليها تطليقة بائنة بثلث الألف وحجتهما في ذلك أن الخلع من عقود المعاوضات ، وحرف " على " في المعاوضات كحرف الباء .

ألا ترى أنه لا فرق بين أن يقول : بعت منك هذا المتاع بدرهم ، أو على درهم ، وكذلك لا فرق بين أن يقول : احمل هذا المتاع إلى موضع كذا بدرهم ، أو على درهم ، فإذا كان عند حرف الباء تتوزع الألف على التطليقات الثلاث ، فكذلك عند ذكر حرف " على " يدل عليه أنها لو قالت : طلقني وفلانة على ألف درهم فطلقها وحدها كان عليها حصتها من المال بمنزلة ما لو التمست بحرف الباء ، فكذلك هنا ، وهذا بخلاف ما قال في السير الكبير : إذا صالح الإمام أهل حصن على أن يؤمنهم ثلاث سنين على ألف درهم ، ثم بدا له بعد مضي السنة أن ينبذ إليهم يلزمه رد جميع المال ، ولو كان الصلح بحرف الباء يلزمه رد ثلثي المال ; لأن إعطاء الأمان ليس بعقد معاوضة ، وحرف " على " للشرط فجعله بمنزلة الباء مجازا يصار إليه لدلالة المعاوضة ; ولأن غرضهم لا يحصل هناك فمقصودهم أن يتحصنوا في هذه المدة ، ولا يتمكنوا من ذلك في بعض المدة فلهذا حملنا حرف على على الشرط ، وهنا مقصودها يحصل بإيقاع الواحدة فكان محمولا على المعاوضة بمنزلة حرف الباء وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول : حرف " على " للشرط حقيقة ; لأنه حرف الالتزام ، ولا مقابلة بين الواقع وبين ما التزم ، بل بينهما معاقبة كما يكون بين الشرط ، والجزاء ، فكان معنى الشرط فيه حقيقة ، والتمسك بالحقيقة واجب حتى يقوم دليل المجاز ، والطلاق مما يحتمل التعليق بالشرط ، فلا حاجة إلى العدول من الحقيقة إلى المجاز .

فإذا كان محمولا على الحقيقة ، والشرط يقابل المشروط جملة ، ولا يقابله جزءا فجزء ، فإنما شرطت لوجوب المال عليها إيقاع الثلاث ، فإذا لم يوقع لا يجب شيء من المال ; ولأن لها في ذلك غرضا صحيحا ، وهو حصول البينونة الغليظة ; حتى لا تصير في وثاق نكاحه ، وإن أكرهها على ذلك فاعتبرنا معنى الشرط في ذلك [ ص: 175 ] ليحصل مقصودها كما في مسألة الأمان ، وكما أن المال في الأمان نادر ، فكذلك في الطلاق الغالب فيه الإيقاع بغير بدل ، وبهذا فارق البيع ، والإجارة ; لأن معنى الشرط هناك تعذر اعتباره ، فإنه لا يحتمل التعليق بالشرط ; فلهذا جعلنا حرف " على " بمعنى حرف الباء ، والدليل على أن " حرف " على للشرط قوله تعالى { إني رسول من رب العالمين حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق } ، أي بشرط أن لا أقول ، وقال الله تعالى { يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا } ، أي بشرط أن لا يشركن ، وهذا بخلاف قوله : طلقني وفلانة على كذا ; لأنه لا غرض لها في طلاق فلانة ; لتجعل ذلك كالشرط منها ولها في اشتراط إيقاع الثلاث غرض صحيح كما بينا ، وإن طلقها ثلاثا في هذه المسألة متفرقات في مجلس واحد ، فالألف لازمة عليها في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى قياسا واستحسانا ; لأن شيئا من البدل لم يجب بإيقاع الأولى والثانية ، والمجلس الواحد يجمع الكلمات المتفرقة وعندهما على القياس والاستحسان الذي بينا في حرف الباء .

التالي السابق


الخدمات العلمية