الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            الشرط الخامس ، أن لا يأكل من الصيد فإن أكل منه ، لم يبح ، في أصح الروايتين . ويروى ذلك عن ابن عباس ، وأبي هريرة . وبه قال عطاء ، وطاوس ، وعبيد بن عمير ، والشعبي ، والنخعي ، وسويد بن غفلة ، وأبو بردة ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، والضحاك ، وقتادة ، وإسحاق ، وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور . والرواية الثانية : يباح .

                                                                                                                                            وروي ذلك عن سعد بن أبي وقاص ، وسلمان ، وأبي هريرة ، وابن عمر . حكاه عنهم الإمام أحمد . وبه قال مالك . وللشافعي قولان ، كالمذهبين . واحتج من أباحه بعموم قوله تعالى { فكلوا مما أمسكن عليكم } .

                                                                                                                                            وحديث أبي ثعلبة ، ولأنه صيد جارح معلم ، فأبيح ، كما لو لم يأكل . فإن الأكل يحتمل أن يكون لفرط جوع أو غيظ على الصيد . ولنا ، قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عدي بن حاتم : { إذا أرسلت كلبك المعلم ، وذكرت اسم الله تعالى ، فكل مما أمسك عليك . قلت : وإن قتل ؟ قال : وإن قتل ، إلا أن يأكل الكلب فإن أكل ، فلا تأكل ، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه } . متفق عليه .

                                                                                                                                            ولأن ما كان شرطا في الصيد الأول ، كان شرطا في سائر صيوده ، كالإرسال والتعليم . وأما الآية فلا تتناول هذا الصيد ; فإنه قال : { فكلوا مما أمسكن عليكم } . وهذا إنما أمسك على نفسه . وأما حديث أبي ثعلبة ، فقد قال أحمد : يختلفون عن هشيم فيه . وعلى أن حديثنا أصح ; لأنه متفق عليه وعدي بن حاتم أضبط ، ولفظه أبين ; لأنه ذكر الحكم والعلة .

                                                                                                                                            قال أحمد : حديث الشعبي عن عدي ، من أصح ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم والشعبي يقول : كان جاري وربيطي ، فحدثني . والعمل عليه . ويحتمل أنه أكل منه بعد أن قتله وانصرف عنه ، وإذا ثبت هذا فإذا لا يحرم ما تقدم من صيوده ، في قول أكثر أهل العلم . وقال أبو حنيفة : يحرم ; لأنه لو كان معلما ما أكل [ ص: 296 ]

                                                                                                                                            ولنا ، عموم الآية والأخبار ، وإنما خص منه ما أكل منه ، ففيما عداه يجب القضاء بالعموم ، ولأن اجتماع شروط التعليم حاصلة ، فوجب الحكم به ، ولهذا حكمنا بحل صيده ، فإذا وجد الأكل ، احتمل أن يكون لنسيان ، أو لفرط جوعه ، أو نسي التعليم ، فلا يترك ما ثبت يقينا بالاحتمال .

                                                                                                                                            ( 7706 ) فصل : فإن شرب دمه ، ولم يأكل منه

                                                                                                                                            ، لم يحرم . نص عليه أحمد . وبه قال عطاء ، والشافعي ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وأصحاب الرأي . وكرهه الشعبي ، والثوري ; لأنه في معنى الأكل .

                                                                                                                                            ولنا ، عموم الآية والأخبار ، وإنما خرج منه ما أكل منه بحديث عدي : " فإن أكل منه ، فلا تأكل " . وهذا لم يأكل ، ولأن الدم لا يقصده الصائد منه ، ولا ينتفع به ، فلا يخرج بشربه عن أن يكون ممسكا على صائده .

                                                                                                                                            ( 7707 ) فصل : ولا يحرم ما صاده الكلب بعد الصيد الذي أكل منه .

                                                                                                                                            ويحتمل كلام الخرقي أنه يخرج عن أن يكون معلما ، فتعتبر له شروط التعليم ابتداء . والأول أولى ; لما ذكرنا في صيده الذي قبل الأكل .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية