الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                            مواهب الجليل في شرح مختصر خليل

                                                                                                                            الحطاب - محمد بن محمد بن عبد الرحمن الرعينى

                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            ص ( وصرفه للحج ، والقياس : القران )

                                                                                                                            ش : يعني أنه إذا أحرم وأبهم ، ولم يعين النسك الذي يحرم به ، فإن الإحرام ينعقد مطلقا ويخير في صرفه إلى أحد الأوجه الثلاثة ، والأولى أن يصرفه للحج فقوله : وصرفه للحج ، وهو على جهة الأولى قال ابن الحاجب ، وإذا أحرم مطلقا جاز وخير في التعيين ، وقال في التوضيح : قال مالك في الموازية : إذا أحرم مطلقا أحب إلي أن يفرد ، والقياس أن يقرن ، وقاله أشهب ، وقيل : القياس : أن يصرفه إلى العمرة ثم قال ابن عبد السلام : ما نقله المصنف هو : المذهب بلا شك ، ونقله غير واحد ، وإن كان بعض شيوخ المذهب ممن تكلم على الحديث نقل عن المذهب خلافه انتهى .

                                                                                                                            وقال ابن عرفة : ومن نوى مطلق الإحرام فلابن محرز عن أشهب خير في الحج والعمرة وللصقلي واللخمي عنه الاستحسان إفراده ، والقياس قرانه وتعقبه التونسي بأن لازم قوله : في القران فمحتمل أقله العمرة انتهى .

                                                                                                                            وقال سند : الصحيح أن العمرة تجزئه كما أنه إذا التزم الإحرام من غير تعيين تجزئه العمرة انتهى .

                                                                                                                            يعني إذا نظر الإحرام فظهر أن قول المصنف : صرفه للحج إنما هو على جهة الأولى ، والله أعلم .

                                                                                                                            وقال الشيخ زروق في شرح الإرشاد : ومن أحرم بالإطلاق أي : دون تعيين نسك ، قال أشهب : يخير بين الحج والعمرة والمشهور : يحمل على الحج ، وقاله مالك في الموازية والقياس على القران ; لأنه أحوط ، وقال اللخمي إن كان آفاقيا كأهل المغرب حمل على الحج ، وهذا كله ما لم يقصد أحد الأقوال ويعمل عليها ، والله سبحانه أعلم .

                                                                                                                            انتهى .

                                                                                                                            ( تنبيه ) : وهذا إذا أحرم ، في أشهر الحج ، فإن أحرم مطلقا قبل أشهر الحج فقال ابن جماعة الشافعي : إطلاق ابن الحاجب يقتضي أنه يخير في التعيين انتهى .

                                                                                                                            ( قلت : ) ولكنه يكره له صرفه إلى الحج قبل أشهره على المشهور ; لأن ذلك كإنشاء الحج حينئذ ، وعلى مقابله إنما ينعقد عمرة ، وهذا ظاهر ، والله أعلم .

                                                                                                                            ( فرع ) : قال سند : إذا أحرم مطلقا ، ولم يعينه حتى طاف فالصواب : أن يجعله حجا ، ويقع هذا طواف القدوم ، وإنما قلنا : لا يجعله عمرة ; لأن طواف القدوم ليس بركن في الحج ، وطواف العمرة ركن فيها ، وقد وقع هذا الطواف بغير نية فلم يصلح أن يقع ركنا في العمرة بغير نية ، وخف ذلك في القدوم ، ويؤخر سعيه إلى إفاضته انتهى .

                                                                                                                            وانظر لو سعى ، وصرفه لحج بعد السعي هل يعيد السعي بعد الإفاضة أم لا ؟ والذي ظهر للذاكرين أنه يعيد احتياطا ، والله أعلم .

                                                                                                                            ، وذكر الفرع الذي قاله سند القرافي ، ولم يعزه لسند وسقط منه ، ويؤخر سعيه إلى إفاضته وعزا نقله للمصنف في توضيحه ومناسكه وتأمل قوله ويؤخر سعيه إلى إفاضته ، والذي يظهر أنه لما كان السعي لا يصح إلا بعد طواف ينوي به القدوم ، وهذا الطواف [ ص: 47 ] لم ينو به القدوم ، ولكنه لما كان أول طوافه جعلوه بمنزلة طواف القدوم ، ففات محل طواف القدوم أخر سعيه إلى ذلك ، وهذا تكلف ، والله أعلم .

                                                                                                                            ( فرع ) : قال ابن جماعة في منسكه الكبير في أوجه الإحرام : لو أحرم بعمرة ثم أحرم مطلقا فوجهان عند الشافعية أحدهما : أن يكون مدخلا للحج على العمرة ، والثاني : وإن صرفه إلى الحج كان كذلك ، وإن صرفه إلى العمرة يبطل الثاني ، وعند المالكية أنه يصير قارنا انتهى .

                                                                                                                            ص ( وإن نسي فقران ونوى الحج وبرئ منه فقط )

                                                                                                                            ش يعني أن من أحرم بنسك معين ثم إن نسي ما أحرم به ، فإنه يبني على القران ويجدد الآن نية الإحرام بالحج احتياطا ، فإن إحرامه الأول : وإن كان حجا أو قرانا لم يضره ذلك ، وإن كان عمرة ارتدف ذلك الحج عليها ، وقد صار قارنا ، ويكمل حجه ، فإذا فرغ من حجه الأول أتى بعمرة لاحتمال أن يكون إحرامه الأول إنما هو بحجة فقط ، فلم يحصل له عمرة ، وهذا معنى قوله : وبريء منه فقط ، قال في التوضيح : إذا أحرم بمعين ثم نسي ما أحرم به أهو عمرة أو قران أو إفراد ؟ فإنه يحمل على الحج والقران أي : يحتاط بأن ينوي الحج ; إذ ذاك ويطوف ويسعى بناء على أنه قارن ويهدي للقران ويأتي بعمرة لاحتمال أن يكون إنما أحرم أولا بإفراد انتهى .

                                                                                                                            وقوله : ويطوف ويسعى يعني إن لم يكن طاف وسعى ، وإن كان طاف وسعى أجزاه وقوله : إذ ذاك أي : وقت شكه ، وإطلاقه مخالف لما قاله سند من أنه وقع شكه في أثناء الطواف والسعي فليمر على ما هو عليه حتى إذا فرغ من سعيه أحرم بالحج ، ما قاله سند هو : الظاهر ثم قال : فإن عجل فنوى الحج في أثناء الطواف والسعي جرى على الاختلاف في إرداف الحج فيهما ، ونص كلامه : ولو نوى شيئا ونسيه فهذا قارن ، ولا بد ، وقاله أشهب في المجموعة والوجه عندي : أن ينوي إحراما بالحج ، فإن كان إحرامه الأول بالحج لم يضره ، وإن كان بالعمرة ، ولم يطف بعد فهو قارن ، ويصح الحج في الصورتين ، وإن كان بعد السعي ، فأحرم بالحج ، فهو متمتع إن كان في أشهر الحج ويصح حجه أيضا ، وهو أصلح ، ومن يبقى على إحرامه ، ولعله بعمرة ، فلا يصح له به حج ، وينبغي أن يهدي احتياطا لخوف تأخير الحلاق ، وإن وقع شكه بعد سعيه ، وإن كان في أثناء الطواف والسعي ، فليس على ما هو عليه حتى إذا فرغ من سعيه أحرم بالحج ، وإن عجل ، فنوى الحج ، هل يجزئه ذلك يخرج على الاختلاف في إرداف الحج في أثناء الطواف أو السعي ، وذلك ; لأنه لا يتعين ما كان إحرامه ، فإن قدرناه عمرة وصححنا الإرداف ، فقد صح حجه ، وإن لم نصحح الإرداف لم يصح حجه ، فلهذا قلنا يجدد نية الحج بعد السعي ليكون على يقين من صحة حجه ، وإن لم يفعل لم يجزئ بحجة ، وعليه القضاء لكونه على غير يقين من إحرامه انتهى .

                                                                                                                            والمشهور : أن الإرداف يصح من غير كراهة في أثناء الطواف وبالكراهة بعد الطواف وقبل الركوع ، أما بعد الركوع وأثناء السعي ، فلا يصح الإرداف وقوله في التوضيح : ويطوف ويسعى بناء على أنه قارن ظاهره أنه لو وقع شكه في أثناء الطواف ونوى الحج أن يكمل طوافه ويسعى في هذه الصورة كذلك ، والله أعلم .

                                                                                                                            ، وليس هذا بمنزلة من أردف في الحرم ; لأن هذا ليس على يقين مما أحرم به لاحتمال أن يكون إحرامه الأول قرانا أو إفرادا ، والله أعلم .

                                                                                                                            ، أما لو وقع شكه بعد الركوع أو في أثناء السعي ونوى الحج لم يصح ويعيد النية بعد السعي كما قال سند ، والله أعلم .

                                                                                                                            ص ( كشكه أفرد أو تمتع )

                                                                                                                            ش : هذا التشبيه لهذا الفرع بما قبله في الأخذ بالأحوط ، وكان الأولى أن يقول كشكه أحرم بحج أو بعمرة وتبع - رحمه الله - عبارة ابن الحاجب مع أنه قد اعترض عليه بنحو ما ذكرنا ، وفهم من تشبيه المصنف أنه ينوي الحج هنا أيضا لاحتمال أن يكون إحرامه الأول : عمرة ، وهو [ ص: 48 ] ظاهر ، وقال ابن عبد السلام في شرح قول ابن الحاجب : وينوي الحج يعني بعد فراغه من السعي ، وهذا لا يحتاج إليه باعتبار قصد براءة الذمة ; لأنه إن كان في نفس الأمر في حج ، فهو متماد ، وإن كان في عمرة ، فالمطلوب إنما هو تصحيحها ، وقد حصل جميع أركانها ، وإنما أمره بذلك ندبا ليوفي بما نواه إن كان قد نواه ، وهو التمتع ; لأنه قد يكون أتى بأحد جزأي التمتع ، وهو العمرة ، وبقي الجزء الأخر ، وهو الحج ; ولهذا لما فرض اللخمي المسألة فيمن شك ، هل أفرد أو اعتمر لم يذكر إنشاء الحج وتبعه على ذلك غير واحد انتهى .

                                                                                                                            ، وقال ابن عرفة : قال اللخمي : والشك في إفراد وقران قران ، وفي حج وعمرة حج ، وأهدى لتأخير حلق العمرة لا القران ، فإنه لم يحدث نية ، فإن كانت نية بحج ، فواضح ، وإن كانت بعمرة ، فما زاد على فعلها لا يصيره قارنا ثم اعترض على ابن الحاجب في قوله : وينوي الحج بأنه خلاف قول اللخمي قلت : في كلام اللخمي وابن عبد السلام وابن عرفة نظر ; لأنه إذا لم يحدث فيه الحج لم يبرأ منه لاحتمال أن يكون الإحرام الأول إنما هو بعمرة ، وما ذكره إنما هو كاف في خلوصه من عمرة الإحرام الذي هو فيه أما إذا لم يحج الفرض ، فلا يخلص بذلك من حجة الإسلام ، وإن كان قد حج لم يحصل له ثواب الحج التطوع ، الصواب ما قاله ابن الحاجب وتبعه المصنف عليه من أنه ينوي الحج ، ولا نقول : إنه ينويه بعد فراغه من السعي كما قاله ابن عبد السلام بل ينويه حين وقع له الشك ; لأنه إن كان ذلك قبل الطواف كان مردفا للحج على العمرة إن كان إحرامه الأول عمرة ، وإن كان حجا لم يضره ذلك ، وإن كان بعد فراغه من السعي كان محرما بحج بعد الفراغ من العمرة إن كان الأول عمرة ، وإن كان حجا لم يضره ذلك نعم إن وقع له الشك في أثناء الطواف أو في أثناء السعي ، فليصبر حتى يفرغ من سعيه ثم ينوي الحج للخلاف الذي في الإرداف إذا وقع في أثناء الطواف والسعي كما سيأتي ، فإن نواه في الطواف أو بعد الفراغ وقبل الركوع صح على المشهور ، وإن نواه بعد الركوع أو في أثناء السعي لم يصح ويعيد النية ، والله أعلم .

                                                                                                                            وفي كلام صاحب الطراز المتقدم إشارة إلى ذلك ، أما كونه لا يبرأ إلا من الحج فقط ، فلم أر من صرح به في هذه المسألة بل صرح في الشامل بنفيها ، فقال : ولو نسي ما أحرم به نوى الحج وتمادى قارنا ، فطاف وسعى وأهدى ثم اعتمر ، كما لو شك أفرد أو تمتع ؟ ولا عمرة ، ولكن ما قاله المصنف ظاهر ، ومن جهة المعنى إذ لا فرق بين هذه المسألة والتي قبلها في موجب العمرة ، فتأمله ، والله أعلم .

                                                                                                                            وقال ابن غازي : قوله : كشكه أفرد أو تمتع ليس بمثال لأصل المسألة ، فإن الذي قبله نسي ما أحرم به من كل الوجوه ، وهذا جزم بأنه لم يحرم بعمرة ، ولا بقران وشك ، هل أحرم بالإفراد أو بالتمتع ؟ انتهى .

                                                                                                                            ( قلت : ) نحوه لابن عبد السلام ، وهو سهو ظاهر ; لأن الإحرام بالعمرة هو التمتع ، ويظهر من كلام ابن عبد السلام السابق أن بينهما فرقا ، وليس كذلك ، والله أعلم .

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            الخدمات العلمية