الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بذلت جهدي في الاستعداد للامتحان وأخشى ألا أوفَّق، فما توجيهكم؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

يشهد الله أني بذلت مجهودات كبيرة في التحضير لهذا الامتحان، بل تعمقت أكثر في الدروس، وفي الامتحان وجدت أسئلة درستها، لكن نسيت بعض التفاصيل، لكثرة دراستي أشياء أكثر تعقيدًا، وبالطبع لن أكون من الأوائل؛ لأنه امتحان ترقية يضمن بضعة مقاعد فقط، عندها شعرت أن الله شاء ذلك، وأنني لن أوفَّق لأسباب لا أعلمها في المستقبل، وكذلك في الامتحان الشفوي لم أوفَّق رغم التحضير الجيد.

النتيجة لم تُعلن بعد، ولا أدري هل أدعو الله أن أنجح أم أتوقف عن الدعاء، مع العلم أني منذ سنتين وأنا أدعو الله أن يمنحني ترقية في مجال عملي، وقد شاءت الأقدار أن يُعقد هذا الامتحان الذي نادرًا ما يحدث، لكنه وقع، وأرى أنه لن يكون من نصيبي، فهل تفكيري هذا يجعلني أقع فيما أفكر فيه؟

وشكرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الابنة الفاضلة/ نبيلة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

‏مرحبا بك ابنتنا الكريمة، ونشكر لك ثقتك بنا في إسلام ويب، وجوابي لك على استشارتك كالتالي:

‏أولًا: بذل الجهد البشري الممكن والتخطيط والتنفيذ للوصول إلى الهدف السامي، كل ذلك يعتبر من الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله تعالى، قال الله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: 23]، وقد أمر الله عز وجل رسوله ﷺ بالتوكل، فقال: {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ} [النمل: 79]، ومن توكل على الله تعالى كفاه وهداه، قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3].

والنبي ﷺ أمرنا بالتوكل على الله مع الأخذ بالأسباب وإعداد العُدَّة، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ وأراد أن يترك ناقته، وقال: أأعْقِلها وأتوكل؟ أو أُطْلِقُها وأتوكل؟! فقال ﷺ: «اعقلها وتوكل» [رواه الترمذي وحسنه الألباني]، وهذا هو المطلوب، والنتيجة على الله تعالى، والمسلم إذا بذل أسباب النجاح وتحسين وضعه المعيشي فقد أدى ما عليه، وبعد ذلك يسلم أمره إلى الله تعالى، فإن الإنسان لا يدري أين يكون مكمن الخير.

‏ثانيًا: المسلم مع بذله لأسباب الخير والنجاح، ثم لم يحصل على مطلوبه، فعليه بالصبر على ذلك، قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التغابن: 11]. قال عكرمة: "ليس أحد إلَّا وهو يفرح ويحزن، ولكن اجعلوا الفرحة شكرًا، والحزن صبرًا"، فأوصيكِ في كل الأحوال بالرضا والتسليم لله تعالى مع الدعاء.

‏ثالثًا: قولك هل أدعو الله أن أنجح أم أتوقف، فالجواب: ما دامت النتائج لم تُعلم بعد فاستمري في الدعاء، واعلمي يقينًا أن الدعاء عبادة من أعظم العبادات، وانتظار الفرج من الله تعالى أيضًا من العبادات، والدعاء لا يضيع عند الله سبحانه وتعالى، كما في الحديث، قال رسول الله ﷺ: «مَا عَلَى الْأَرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّهَ بِدَعْوَةٍ إِلَّا آتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا، أَوْ صَرَفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ» [رواه الترمذي]، وفي رواية لأحمد: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا». قالوا: إذًا نكثر، قال: «الله أكثر».

‏رابعًا: قولك: (وشاءت الأقدار أن يعقد هذا الامتحان...إلخ):
بالطبع أحب أن أنبهك أن قول الإنسان شاءت الأقدار أو القدر أو الظروف، كل ذلك لا يصح، وإنما يقال: شاء الله تعالى أو شاء ربنا، قال تعالى: {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان: 30]، وقال تعالى: {وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ} [الكهف: 39]، والمقصود من هذه الآيات أن المشيئة تنسب إلى الله سبحانه وتعالى، لا إلى الظروف، ولا إلى الأقدار، ولا إلى الأوقات، ولا إلى غيرها من الشؤون، وإنما تُنسب إلى الله الواحد القهار، مدبر الأحوال ومصرف الأقدار سبحانه وتعالى.

‏خامسًا: هناك لفظة في بداية رسالتك أحب أيضًا التنبيه إليها، وهو قولك: "يشهد الله إني ...":
الأحسن والأفضل اجتناب هذه الكلمة، فعند بعض المحققين من أهل العلم: إن كان الإنسان صادقًا فلا بأس بها، وإن كان كاذبًا فهي محرمة، بل يخشى على الإنسان من هذه اللفظة، فلو قال الإنسان: "يشهد الله أو يعلم أني زرت فلانًا" وهو لم يزره، فكأنه يصف الله بالجهل، حيث قال: يعلم الله أني زرت فلانًا وهو يعلم في نفسه أنه لم يزره، وهذا خطير جدًّا، فتجنبي هذه اللفظة في حياتك.

‏سادسًا: نصيحتي لك ألَّا تُكثري من التفكير في هذه الأمور، وإنما عليك بالأسباب المادية الواقعية مع الأسباب الشرعية من الدعاء والتوكل على الله، ثم الرضا بما قسم الله لك، وعليك أن تجعلي هذا الحديث الشريف نصب عينيك، قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ» [متفق عليه بمعناه، رواه أحمد وغيره].

ختامًا: أسأل الله تعالى أن يوفقك للنجاح وتحسين وضعك المعيشي، وأن يسهل لك كل خير، ويعصمك من كل شر، آمين.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً