الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

خائفة ألا أحصل على درجة النجاح في الامتحانات، فماذا أفعل؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا طالبة في مرحلة الثانوية العامة، وقد أديت امتحانات المواد التي لا تضاف إلى المجموع، بعد الامتحان اطلعت على الإجابات النموذجية، وأشعر أنني لن أحصل على درجة النجاح (النصف) فيها؛ فهناك أخطاء كثيرة، كما أنني لا أتذكر ما اخترته في بعض الأسئلة.

لقد ذاكرت جيدًا، لكنني غيرت بعض الإجابات الصحيحة إلى خاطئة في اللحظات الأخيرة لعدم ثقتي بإجاباتي، وأنا أدعو الله؛ لأنني موقنة بأنه رأى تعبي، ويعلم ما في نفسي أكثر من أي شخص آخر.

ينتابني خوف شديد من عدم الحصول على درجة النجاح، وقد فكرت أن الله لعلّه قدّر لي ذلك لتفادي تكرار هذا الخطأ في المواد الأساسية التي تضاف إلى المجموع.

أدعو الله كثيرًا أن يوفقني لاجتياز هذه المواد وألا أرسب فيها، إكرامًا لوالديّ ورغبة في إدخال السرور على قلوبهما، وأن أفرح معهما بعد هذه السنة العصيبة التي مرت علينا جميعًا.

إنني خائفة جدًا، ولا أدري هل يصح لي أن أدعو الله بأن يوفقني لأحصل على درجة النجاح على الأقل أم لا؟ أنا أدعو بنية إسعاد أهلي، وأعلم أن الله عظيم وأن الدعاء يغير القدر، ولا أقصد بطلبي هذا الاعتراض على مشيئة الله، أو فرض أمر ما -حاشا لله- بل نيتي هي أن الله مجيب الدعوات، وأنه يشعر بي وبما في داخلي، أملي في الله كبير جدًا، وأدعوه قائلة: (اللهم إني فوضت أمري إليك، فأحسن لي التدبير).

ومع ذلك، ينتابني شعور دائم بأنني لا أستحق النجاح بسبب ذنوبي؛ إذ أتمنى بشدة الحصول على مجموع 95% فما فوق، لألتحق بكلية الهندسة، وأدعو الله وأبذل كل ما في وسعي وزيادة، لكنني أرى نفسي دائمًا مقصرة في كل شيء، سواء في المذاكرة، أو تجاه أهلي وصديقاتي، وأشعر أنني لا أستحق هذا التوفيق.

إن كلية الهندسة هي أمنيتي الغالية التي أدعو الله بها دائمًا، وأسأله إن لم تكن من نصيبي أن يصرفها عن تفكيري، لكنها لا تفارق بالي أبدًا، وفي الوقت ذاته أرى نفسي غير جديرة بها؛ بسبب أي ذنب اقترفته سابقًا، رغم علمي بأن الله غفور رحيم، ومحاولتي الدائمة للابتعاد عن الخطأ والتقرب إليه.

أنا خائفة جدًا من الامتحانات القادمة، وأشعر بالدونية دائمًا، حتى أثناء المذاكرة، فيا رب، يا رب، أرضِني وارضَ عني.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ مجهولة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -أختي الفاضلة- في استشارات إسلام ويب، وأسأل الله أن يوفقنا وإياكِ لصالح القول والعمل.

بدايةً، أختي الكريمة: ما تمرين به من مشاعر القلق والتردد قبل أداء الاختبارات وبعدها هو شعور إنساني طبيعي، لا سيما في مرحلة مصيرية كمرحلة الثانوية العامة، فالقلق والتوتر والانشغال بالتفكير في النتائج، قد يضعفان الطمأنينة التي يحتاج إليها الطالب أثناء أداء الامتحان، كما قد يؤديان إلى التردد والخوف، مما يؤثر في صفاء الذهن والتركيز عند الإجابة، وحتى أجيب عن تساؤلاتك المتعددة، فسأرتب الجواب في عدة نقاط، وأسأل الله أن ينفعك بها.

أولًا: جاء في الحديث: (ما من مسلمٍ يدعو بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ ولا قطيعةُ رحمٍ، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها، قالوا: إذًا نكثر، قال: الله أكثر)، فهذا الحديث يدل على أن الله تعالى يجيب دعاء عبده يقينًا، وقد جزم سبحانه بذلك في قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾.

وعلى هذا، فإن الله سبحانه يجيب الدعاء، لكنه يختار لعبده ما يعلمه خيرًا وأصلح له؛ لأنه سبحانه هو الرب العليم، الحكيم، الكريم، المحيط بكل شيء علمًا، القادر على كل شيء، الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولذلك فإن تعامله مع دعاء عباده يكون وفق علمه الكامل، وحكمته البالغة، ورحمته الواسعة.

ثانيًا: أختي الفاضلة، الله تعالى يريد منك بذل الوسع والطاقة، واستفراغ كل ما تقدرين عليه من الأسباب المشروعة لتحقيق ما تتمنين، ومن ذلك الأخذ بجميع الأسباب التي تعين على النجاح والتفوق، سواء في المواد خارج المجموع أو داخله، مع الاجتهاد في المذاكرة، وحسن تنظيم الوقت، والاستفادة من كل وسيلة تعين على تحقيق الهدف.

وفي الوقت نفسه، لا تفتري عن الدعاء، ولا تنقطعي عن سؤال الله تعالى التوفيق، وليكن قلبك متعلقًا بحسن الظن بالله، وواثقًا بكرمه، وعظيم فضله، وسعة عطائه، وقدرته التي لا يعجزها شيء، فبهذا يكتمل من العبد الأخذ بالأسباب، مع صدق التوكل على الله تعالى.

ثالثًا: أما إجابة الله تعالى للدعاء، فإنه سبحانه يجيب عبده بما يراه خيرًا وأصلح له، لا بما يوافق مجرد رغبة العبد في كل حال؛ لأن علم الله محيط بكل شيء، وهو سبحانه يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون.

فقد يكرمك الله تعالى بإجابة دعائك على الوجه الذي تتمنينه، وقد يؤخر الإجابة، أو يصرف عنك ما سألتِ إلى ما هو خير لك، أو يعوضك عنه بما هو أنفع وأبقى، وليس ذلك إلا لكمال حكمته ورحمته بعباده، فقد يرى الإنسان أن الخير كل الخير في أمر معين، بينما تكون عاقبته مما لا يستطيع إدراكه أو توقعه، أما الله سبحانه فهو الذي يعلم حقائق الأمور ومآلاتها، ولذلك قال تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

رابعًا: أختي الفاضلة، عليكِ أن تبذلي جميع أسباب النجاح والتفوق، من الاجتهاد، والمثابرة، وحسن الاستعداد، وسلوك كل وسيلة مشروعة تعينك على تحقيق هدفك، وهذا هو استفراغ الوسع والطاقة الذي كلفك الله تعالى به، وأثناء ذلك اجتهدي في الدعاء، والتضرع إلى الله، والاستجابة له بفعل الطاعات، وأداء الواجبات، والابتعاد عن المحرمات، فإن تحقق لك ما تتمنين فاحمدي الله على فضله وتوفيقه، وإن لم يتحقق، فاعلمي أن لله تعالى في ذلك حكمة قد تخفى على العبد، وأن الخير قد يكون فيما لم تدركيه الآن، وربما كان في ذلك تربية لك على مزيد من الاجتهاد، أو إعداد لك لما هو أفضل، أو تنبيه إلى معالجة سبب التردد وضعف الثقة بالنفس عند الإجابة، وكل ذلك باب من أبواب التعلم، والنضج، وفهم سنن الله في الحياة، والارتقاء في علاقتك بربك، وحسن إدراكك لكيفية تدبيره سبحانه لأمور عباده.

خامسًا: أختي الكريمة، اعلمي أن التفوق في الاختبارات ليس ثمرة لحظة الامتحان وحدها، بل هو حصيلة صبر طويل، وجهد متواصل، ومثابرة مستمرة، وتدريب للنفس على أنماط الأسئلة والاختبارات، وهذا كله من الأخذ بالأسباب التي أمر الله تعالى بها، أما الإهمال طوال الدراسة طوال العام، ثم يتمنى في يوم الامتحان أن يحقق أعلى الدرجات دون اجتهاد أو بذل أو سعي، فلا شك أن ذلك من أسباب الخوف والقلق والتواكل المذموم؛ لأنه لم يسلك الطريق الصحيح المؤدي إلى النجاح، أما من اجتهد، وبذل وسعه، وأخذ بالأسباب، ثم توكل على الله تعالى، فحقه أن يحسن الظن بربه، وأن يطمئن إلى أنه قد أدى ما كلفه الله به.

أختي الفاضلة، صحيح أن الذنوب تمحق البركة وتذهب الخيرات، لكن الله تعالى شرع لنا التوبة والإنابة إليه لتمحو آثار هذه الذنوب في النفس ونستعيد الثقة بأنفسنا، لذلك لا تجعلي مشاعركِ السلبية حكمًا على أدائكِ، ولا تبني توقعاتكِ على مجرد الإحساس؛ فكثير من الطلاب يخرجون من الامتحان وهم يظنون أنهم أخفقوا، ثم تكون نتائجهم أفضل مما توقعوا.

لذلك نوصيكِ بأن تحسني الظن بالله تعالى، وأن تواصلي الاجتهاد فيما بقي من الاختبارات، وأن تحرصي على تقليل التوتر والقلق بالإكثار من الصلاة، والدعاء، وذكر الله، وتلاوة القرآن، فإنها من أعظم أسباب سكينة القلب وطمأنينة النفس، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾، فإذا سكنت النفس، واطمأن القلب، زال كثير من أسباب الاضطراب، وأصبح الذهن أصفى، والقدرة على التفكير والتذكر أثناء الاختبارات أقوى.

وفقكِ الله، ويسر أمركِ.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً