الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ضعفت همتي في العبادة وأصبحت أركن للنوم والكسل، فما الحل؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أود نصيحتكم.

كنتُ في فترة ليست بالطويلة أُحافظ على الصلوات في أول وقتها، وأقوم الليل، وأقرأ القرآن، وأطلب العلم الشرعي، وكنت سعيدة بذلك، وأجد لذة في الدعاء.

لكن منذ نحو عامين تقريبًا، حصل عندي تراجع في كل ذلك، فلم أعد أُصلي في أول الوقت، أحيانًا بسبب السلس بعد الأذان، كما أن صلاة الفجر والعشاء والظهر أصبحت ثقيلة جدًا عليّ، ويغلبني فيها النعاس الشديد، فلا أؤديها على الوجه الأكمل، وكثيرًا ما أصلي الفجر قبل الشروق بربع ساعة أو أقل، وإذا صليتها وأنا في حالة نعاس شديد، أُعيدها في الوقت اللاحق.

أمَّا قيام الليل فقد انقطعت عنه تمامًا، ولم أعد أستطيع حتى القيام لصلاة الوتر، فأصبحت لا أصليه إلَّا نادرًا جدًّا، وكنت أنوي صلاته بعد العشاء مباشرة، لكني سريعة النوم، ونومي أصبح عميقًا جدًّا، وقد أنام أكثر من عشر ساعات في اليوم.

أنام بعد الفجر، وقد تمنيت كثيرًا أن أستغل هذا الوقت في قراءة القرآن كما يفعل كثير من المسلمين، ثبتهم الله، وأنام أيضًا بعد الظهر، وبعد المغرب، وبعد العشاء.

وقد طرحت عليكم استشارة من قبل حول هذا النوم، وأجبتموني، وفعلًا لدي نقص في فيتامين (د)، كما اكتشفت في نهاية العام الماضي أن لدي عقدة في الغدة الدرقية بحجم 3 سم، مع أن تحليل TSH كان طبيعيًا، إلَّا أن نتيجة الخزعة كانت Bethesda 3، ولا أدري هل هذا السبب في كثرة النوم والتعب المستمر.

وقد بدأت قبل خمسة أيام فقط في تناول دواء "ليفوثيروكسين" بجرعة (25 ميكروغرام)، بوصفة الطبيب الذي لم يرغب في إجراء الجراحة، بخلاف أطباء آخرين زرتهم في الفترة السابقة، لكني أشعر أن النعاس قد ازداد بعد بدء الدواء.

أما طلب العلم، فلم أوفق للاستمرار في أي برنامج التحقت به، وأشعر باضطراب شديد في التنظيم، وأعجز عن تلخيص الدروس، وورد القرآن عندي لم أعد أداوم عليه؛ أحيانًا أقرأ وأحيانًا أتركه أيامًا، أما الدعاء، فلم أعد أجد حلاوته ولا دموعه، وأشعر بقسوة في قلبي وجفائه.

حتى أعمال المنزل لم أعد أقوم بها إلَّا القليل جدًّا، وأمي -حفظها الله وبارك في صحتها وعمرها- هي التي تقوم بمعظم الأمور.

كما أني لم أعد أستطيع الصيام، وما زلت لم أكمل قضاء صيام رمضان بعد، مع أني كنت في وقت سابق أُحافظ على صيام الاثنين والخميس والأيام البيض.

أجد كثيرًا من الناس يشتكون من عدم التوفيق في أمور الدنيا رغم محافظتهم على الأوراد والصلوات، أمَّا أنا فأشكو من عدم التوفيق في أمور الدين، فما العمل قبل أن يُباغتنا الموت ونحن على هذا الحال؟

غفر الله لنا ولكم، وهدانا وإياكم سواء السبيل.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ مروة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلاً بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح صدرك، وأن يردك إليه ردًّا جميلًا، وأن يبارك في صحتك وعافيتك، وأن يرزقك الثبات على طاعته حتى تلقينه وهو راضٍ عنك.

وقبل الحديث عن الحلول، أحب أن ألفت نظرك إلى أمرٍ مهمٍّ، وهو أن كثيرًا من الناس إذا ضعف في العبادة ظن أن سبب ذلك فساد قلبه فقط، بينما الواقع أن الإنسان مكوَّن من روح وجسد، وقد تتداخل الأسباب الإيمانية والنفسية والبدنية حتى يصبح التفريق بينها صعبًا.

ولذلك فإن أول ما استوقفني في رسالتك ليس ترك قيام الليل، ولا ضعف الورد على أهميته، وإنما هذا التعب الشديد، والنوم الطويل، وبعض الأمراض الحسية، والثقل المستمر الذي تصفينه منذ سنوات، هذا ما أردت تنبيهك إليه، وسيتضح جوابنا من خلال ما يلي:

1- أول ما ينبغي أن تطمئني إليه: أن مجرد حزنك على ما فاتك من الطاعات، وخوفك من سوء الخاتمة، دليل على أن الخير ما زال حيًّا في قلبك، فالقلب القاسي حقًّا لا يتألم لفوات قيام الليل، ولا يحزن لتضييع القرآن، ولا يكتب مثل هذه الرسالة أصلاً، والتوصيف الحالي لك من خلال كلماتك أن ما يحدث معك ليس قسوة قلب، بقدر ما هو قلب متعب يخاف أن يبتعد عن ربه.

2- من المهم أن تعلمي أن المؤمن قد يمر بفترات قوة وفترات ضعف، حتى الصحابة -رضي الله عنهم- اشتكوا من ذلك، وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً» فليس الخطر في حصول الفتور، وإنما الخطر في الاستسلام له حتى ينقطع العبد عن ربه بالكلية.

3- من سنن الله في عباده أن الابتلاء لا يكون دائمًا في المال أو الصحة أو الأهل، بل قد يبتلى الإنسان في نشاطه للطاعة، وقد كان بعض السلف يقول: "إني لأعصي الله فأرى ذلك في خلق دابتي وامرأتي" والمقصود أن المؤمن إذا وجد تغيّرًا في حاله مع الله فتش عن الأسباب وعالجها، لا أن يحكم على نفسه بالهلاك أو النفاق أو الحرمان النهائي.

4- والذي يظهر من وصفك أن هناك جانبًا طبيًّا لا ينبغي التقليل من شأنه، وسوف يجيبك عنه سعادة الدكتور.

5- من الأخطاء التي يقع فيها كثير من الصالحين: أنهم يقارنون أنفسهم اليوم بأفضل نسخة مروا بها في حياتهم، وهذا خطأ، وأنت مثلًا تقولين: "كنتُ أقوم الليل، وأصوم النوافل، وأقرأ القرآن بكثرة، وأطلب العلم"، ثم تنظرين إلى حالك الآن فتشعرين أنك فقدت كل شيء، والحق أنك فقدت بعض النوافل الهامة والضرورية لكن ليس كل شيء، كما أحب أن أنبهك إلى أن الشيطان إذا عجز عن منع المؤمن من الطاعة، حاول أن يثقلها عليه حتى يتركها كلها، فيقنعه أن قيام الليل أو ختم القرآن أو طلب العلم المنتظم هو الحد الأدنى المقبول، فإذا عجز عنها ترك ما دونها أيضًا، والصواب أن تحافظي على ما تقدرين عليه ولو كان قليلاً ثم ترتقين رويدًا رويدًا.

6- لا تجعلي معركتك الآن مع قيام الليل كله، ولا مع الأوراد الكبيرة، بل مع الثبات، فإن كنت لا تستطيعين إلا صفحة من القرآن يوميًّا فحافظي عليها، وإن كنت لا تستطيعين من الوتر إلا ركعة واحدة بعد العشاء فحافظي عليها، وإن كنت لا تستطيعين من طلب العلم إلا عشر دقائق يوميًّا فاثبتي عليها، فإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.

7- أحب أن أحذرك من الدخول في دائرة التدقيق المرهق، فإذا صليت الصلاة مستوفية أركانها وواجباتها، فلا تعيديها لمجرد شعورك بأن الخشوع لم يكن كما ينبغي، أو أن النعاس كان موجودًا، فلو فتح هذا الباب لاستنزف عليك عبادتك كلها.

8- من الأمور المهمة في حالتك اليوم: أن تنظمي يومك حول الفرائض إلى أن تستقر الصلوات الخمس في أوقاتها مع السنن الرواتب -قدر المستطاع-، وأن ينتظم ورد يسير من القرآن، وأن تحافظي على الأذكار الأساسية، ثم يبنى بعد ذلك ما تيسر من النوافل، لأن البناء المتدرج أثبت من القفزات الكبيرة التي يعقبها الانقطاع.

وأخيرًا: أوصيك أن تكثري من الدعاء وأنت تسيرين إلى الله عز وجل، وأكثري من قولك: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، فإن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، وقد يفتح الله على العبد في لحظة صدق ما يعجز عن تحصيله بسنوات من المجاهدة.

ولا تنظري إلى هذه المرحلة على أنها نهاية الطريق، بل ربما تكون مرحلة يعيد الله فيها بناء علاقتك به على أساس أعمق، فقيام الليل مع النشاط سهل على كثير من الناس.

أما المحافظة على الصلاة والذكر مع التعب والفتور والثقل، فهي من أعظم صور المجاهدة التي يرفع الله بها الدرجات، كما نوصيك بالرقية الشرعية والمحافظة على الأذكار، كذا الصحبة الصالحة، والابتعاد عن أوقات الفراغ، هذه كلها عوامل تقوية.

نسأل الله أن يشفيك شفاءً تامًّا، وأن يبارك لك في صحتك، وأن يرد إليك لذة الطاعة، وأن يرزقك الخشوع والأنس بذكره، وأن يجعلك خيرًا مما كنت تتمنين لنفسك، والله الموفق.
_______________________________________________
انتهت إجابة الشيخ الدكتور/ أحمد المحمدي، مستشار الشؤون الأسرية والتربوية.
وتليها إجابة الدكتور/ عطية إبراهيم محمد، مستشار الطب العام والجراحة.
_______________________________________________

مرحبًا بك في موقع إسلام ويب، وندعو الله لك بالشفاء والصحة والعافية، وفرط النوم أو ما يعرف بـ "Hypersomnia" له أسباب تنقسم إلى مجموعات، أولها أسباب جسدية مثل نقص فيتامين "D" كما قيل لك، ويفضل لضبط مستواه أخذ حقنة جرعة (300000 وحدة دولية) في العضل وتكرارها بعد 3 شهور مرة أخرى، ثم تناول الحبوب اليومية جرعة (1000 وحدة دولية) بعد ذلك.

بالإضافة إلى فقر الدم ونقص الفيتامينات، ولذلك يجب فحص صورة الدم "CBC"، وفحص فيتامين "B12"، وفوليك أسيد، ومتابعة فحص الهرمون المحفز للغدة الدرقية، وهناك ما يعرف بانقطاع النفس أثناء النوم، خصوصًا إذا كنت تعانين من الشخير أثناء النوم، وبذلك تكون ساعات النوم كثيرة ومتقطعة.

وقد يكون النوم مرتبطًا بسوء الحالة المزاجية والنفسية، مثل الشعور بالاكتئاب أو تناول مضاد حساسية، ولا مانع من زيارة طبيب نفسية وعصبية للبحث في مسألة الشعور بالاكتئاب، فقد يصف لك دواءً يحسن من حالتك النفسية، ويضبط ساعات النوم إن شاء الله.

وقد يعبر النوم الكثير عن حالة هروب من الواقع بسبب التوتر والإرهاق البدني والعاطفي، مثل الزعل المتكرر وضغوط الحياة اليومية.

وقد يعود النوم إلى أسلوب ونمط حياة مثل قلة النشاط والكسل، ولذلك يجب التعود على المشي مدة لا تقل عن ساعة يوميًّا، وتحديد ساعات النوم إلى ساعة قيلولة ظهرًا و7 ساعات ليلاً، وأفضل وقت للدراسة وقراءة القرآن بعد صلاة الفجر.

وقد بدأت رسالتك بعبارة السلس، وهذه لا تحدث إلا في سن متأخرة جدًّا من حياة الناس، لكن وجود التهاب في المسالك البولية قد يؤدي إلى تكرار التبول والتنقيط، ولذلك يجب فحص البول وعمل مزرعة إذا وجدت التهابًا في المسالك البولية، وتناول العلاج المناسب حسب نتيجة التحليل، وذلك بعد مراجعة الطبيب المختص بالطبع.

وفقك الله لما فيه الخير.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً