الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
السادس : ما ذكرناه في النسخ من التفصيل يجري مثله فيما إذا كان الشيخ أو السامع يتحدث، أو كان القارئ خفيف القراءة يفرط في الإسراع . أو كان يهينم بحيث يخفي بعض الكلم، أو كان السامع بعيدا عن القارئ، وما أشبه ذلك .

ثم الظاهر أنه يعفى في كل ذلك عن القدر اليسير نحو الكلمة والكلمتين .

ويستحب للشيخ أن يجيز لجميع السامعين رواية جميع الجزء أو الكتاب الذي سمعوه، وإن جرى على كله اسم السماع .

وإذا بذل لأحد منهم خطه بذلك كتب له : سمع مني هذا الكتاب، وأجزت له روايته عني ، أو نحو هذا، كما كان بعض الشيوخ يفعل .

وفيما نرويه عن الفقيه أبي محمد بن أبي عبد الله بن عتاب الفقيه الأندلسي ، عن أبيه رحمهما الله أنه قال : لا غنى في السماع عن الإجازة; لأنه قد يغلط القارئ، ويغفل الشيخ، أو يغلط الشيخ إن كان القارئ، ويغفل السامع، فينجبر له ما فاته بالإجازة .

هذا الذي ذكرناه تحقيق حسن .

وقد روينا عن صالح بن أحمد بن حنبل - رضي الله عنهما - قال : قلت لأبي : الشيخ يدغم الحرف يعرف أنه كذا وكذا، ولا يفهم عنه، ترى أن يروى ذلك عنه؟ قال : أرجو أن لا يضيق هذا .

وبلغنا عن خلف بن سالم المخرمي، قال: سمعت ابن عيينة يقول: " نا عمرو بن دينار" يريد " حدثنا عمرو بن دينار " لكن اقتصر من " حدثنا" على " النون والألف " فإذا قيل له قل: " حدثنا عمرو " قال : لا أقول; لأني لم أسمع من قوله: " حدثنا" ثلاثة أحرف، وهي " حدث" لكثرة الزحام .

قلت : قد كان كثير من أكابر المحدثين يعظم الجمع في مجالسهم جدا، حتى ربما بلغ ألوفا مؤلفة، ويبلغهم عنهم المستملون، فيكتبون عنهم بواسطة تبليغ المستملين، فأجاز غير واحد لهم رواية ذلك عن المملي .

روينا عن الأعمش - رضي الله عنه - قال : كنا نجلس إلى إبراهيم، فتتسع الحلقة، فربما يحدث بالحديث فلا يسمعه من تنحى عنه، فيسأل بعضهم بعضا عما قال، ثم يروونه، وما سمعوه منه .

وعن حماد بن زيد : أنه سأله رجل في مثل ذلك، فقال : يا أبا إسماعيل، كيف قلت؟ فقال : استفهم من يليك .

وعن عيينة: أن أبا مسلم المستملي قال له : إن الناس كثير لا يسمعون، قال أتسمع أنت؟ قال : نعم، قال : فأسمعهم .

وأبى آخرون ذلك :

روينا عن خلف بن تميم قال : سمعت من سفيان الثوري عشرة آلاف، أو نحوها، فكنت أستفهم جليسي، فقلت لزائدة؟ فقال لي : لا تحدث منها إلا بما تحفظ بقلبك، وسمع أذنك، قال : فألقيتها .

وعن أبي نعيم: أنه كان يرى فيما سقط عنه من الحرف الواحد، والاسم مما سمعه من سفيان والأعمش، واستفهمه من أصحابه : أن يرويه عن أصحابه، لا يرى غير ذلك واسعا له .

قلت : الأول تساهل بعيد . وقد روينا عن أبي عبد الله بن منده الحافظ الأصبهاني أنه قال لواحد من أصحابه : يا فلان، يكفيك من السماع شمه . وهذا إما متأول، أو متروك على قائله .

ثم وجدت عن عبد الغني بن سعيد الحافظ ، عن حمزة بن محمد الحافظ بإسناده، عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال : يا فلان، يكفيك من الحديث شمه. قال عبد الغني: قال لنا حمزة : يعني إذا سئل عن أول شيء عرفه، وليس يعني التسهل في السماع. والله أعلم .

[ ص: 634 ] [ ص: 635 ] [ ص: 636 ]

التالي السابق


[ ص: 634 ] [ ص: 635 ] [ ص: 636 ] 106 - قوله: (قلت : قد كان كثير من أكابر المحدثين يعظم الجمع في مجالسهم جدا، حتى ربما بلغ ألوفا مؤلفة، ويبلغهم عنهم المستملون، فيكتبون عنهم بواسطة تبليغ المستملين، فأجاز غير واحد لهم رواية ذلك عن المملي ) ثم قال: (وأبي آخرون ذلك) ثم قال: (قلت: والأول تساهل بعيد) انتهى.

أطلق المصنف حكاية الخلاف من غير تقييد بكون المملي سمع لفظ المستملي أم لا.

والصواب التقييد بما ذكرناه، فإن كان الشيخ صحيح السمع بحيث يسمع لفظ المستملي الذي يملي عليه فالسماع صحيح، ويجوز له أن يرويه عن المملي دون ذكر الواسطة، كما لو سمع على الشيخ بقراءة غيره، فإن القارئ والمستملي واحد، وإن كان في سمع الشيخ ثقل بحيث لا يسمع لفظ المستملي فإنه لا يسوغ لمن لم يسمع لفظ الشيخ أن يرويه عنه إلا بواسطة المستملي أو المبلغ له عن الشيخ، أو المفهم للسامع ما لم يبلغه، كما ثبت في الصحيحين من رواية عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة، قال: "سمعت [ ص: 637 ] النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يكون اثنا عشر أميرا" فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنه قال: "كلهم من قريش" لفظ البخاري. وقال مسلم: ثم تكلم بكلمة خفيت علي، فسألت أبي ماذا قال؟ قال: "كلهم من قريش" فلم يرو جابر بن سمرة الكلمة التي خفيت عليه إلا بواسطة أبيه.

. ويمكن أن يستدل القائلون بالجواز بما رواه مسلم في صحيحه من رواية عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: كتبت إلى جابر بن سمرة مع غلامي نافع أن أخبرني بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فكتب إلي: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم جمعة عشية رجم الأسلمي قال: "لا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش" فلم يفصل جابر بن سمرة الكلمة التي لم يسمعها من النبي صلى الله عليه وسلم.

[ ص: 638 ] وقد يجاب عنه بأمور:

أحدها: أنه يحتمل أن بعض الرواة أدرجه وفصلها الجمهور، وهم عبد الملك بن عمير، والشعبي، وحصين، وسماك بن حرب، ووصله عامر.

والثاني: أنه قد اتفق الشيخان على رواية الفصل، وانفرد مسلم برواية الوصل.

والثالث: أن رواية الجمهور سماع لهم من جابر بن سمرة، ورواية عامر بن سعد كتابة ليست متصلة بالسماع.

والرابع: أن الإرسال جائز خصوصا إرسال الصحابة عن بعضهم؛ فإن الصحابة كلهم عدول، ولهذا كانت مراسيلهم حجة، خلافا للأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني؛ لأن الصحابة قد يروون عن التابعين. والله أعلم.




الخدمات العلمية