الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

صفحة جزء
الوجه الثالث: أن هذه الحجة المذكورة، ليست نظير ما ذكره من حجة الدهرية، وذلك أن هؤلاء قالوا: الخالق والمخلوق موجودان، فكل موجودين فإما أن يكون أحدهما حالا في الآخر أو بائنا عنه. وكذلك إذا قيل: إما أن يكون أحدهما داخلا في الآخر أو خارجا منه. وكذلك إذا قيل: إما أن يكون أحدهما متصلا بالآخر مقارنا له أو منفصلا عنه بائنا منه، ثم قالوا: وليس هو فيه، فوجب أن يكون خارجا منه. وهذا مقصودهم، فنظيره أن يقال: البارئ والعالم موجودان، وكل موجودين فإما أن يكون وجودهما معا وهما متقارنان، وإما أن يكون أحدهما قبل الآخر، وليس مع العالم مقارنا له، فوجب أن يكون متقدما عليه. وهذا حق. فهذا تمام الموازنة والمعادلة بين الحجتين. [ ص: 390 ]

فالأولى دلت أن البارئ تعالى خارج عن العالم ليس فيه، وهذه دلت على أن البارئ سابق للعالم لم يقارنه العالم، وكذلك قال سبحانه: هو الأول والآخر والظاهر والباطن [الحديد: 3] وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء» والبارئ سبحانه وتعالى فوق العالم فوقية حقيقية ليست فوقية الرتبة، كما أن التقدم على الشيء قد يقال: إنه بمجرد الرتبة، كما يكون بالمكان; مثل تقدم العالم على الجاهل، وتقدم الإمام على المأموم، فتقدم الله على العالم ليس بمجرد ذلك; بل هو قبله حقيقة، فكذلك العلو على العالم، قد يقال: إنه يكون بمجرد الرتبة، كما يقال العالم فوق الجاهل، وعلو الله على العالم ليس بمجرد ذلك، بل هو عال عليه علوا حقيقيا، وهو العلو المعروف والتقدم المعروف، فهذا هو الذي يدل عليه ما ذكره من الموازنة والمقابلة، وكلاهما حق يقولون به، فعلم أن الحجة عليه لا له. [ ص: 391 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية