الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

صفحة جزء
وقال أيضا الإمام أبو سعيد عثمان بن سعيد في كتابه المعروف الذي سماه (نقض عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله في التوحيد)، قال:

باب الحد والعرش

وادعى المعارض أنه ليس لله حد ولا غاية [ ص: 687 ] ولا نهاية.

قال: وهذا هو الأصل الذي بنى عليه جهم جميع ضلالاته، واشتق منه أغلوطاته، وهي كلمة لم يبلغنا أنه سبق جهما إليها أحد من العالمين.

فقال له قائل ممن يحاوره: قد علمت مرادك منها أيها الأعجمي، تعني أن الله لا شيء؛ لأن الخلق كلهم علموا أنه ليس شيء يقع عليه اسم الشيء إلا وله حد وغاية وصفة، وأن لا شيء ليس له حد ولا غاية ولا صفة؛ فالشيء أبدا موصوف لا محالة ولا شيء يوصف بلا حد ولا غاية، وقولك: لا حد له؛ يعني أنه لا شيء.

قال أبو سعيد: والله تعالى له حد لا يعلمه غيره، ولا يجوز لأحد [ ص: 688 ] أن يتوهم لحده غاية في نفسه، ولكن نؤمن بالحد ونكل علم ذلك إلى الله، ولمكانه أيضا حد وهو على عرشه فوق سمواته؛ فهذان حدان اثنان.

قال: وسئل ابن المبارك: بم نعرف ربنا؟ قال: بأنه على العرش بائن من خلقه، قيل: بحد؟ قال: بحد. حدثناه الحسن بن الصباح البزار عن علي بن الحسن بن شقيق عن ابن المبارك.

[ ص: 689 ] قال: فمن ادعى أنه ليس لله حد فقد رد القرآن وادعى أنه لا شيء؛ لأن الله تعالى وصف حد مكانه في مواضع كثيرة من كتابه؛ فقال: الرحمن على العرش استوى [طه 5] أأمنتم من في السماء [الملك 16] يخافون ربهم من فوقهم [النحل 50] إني متوفيك ورافعك إلي [آل عمران 55] إليه يصعد الكلم الطيب [فاطر 10]. فهذا كله وما أشبهه شواهد ودلائل على الحد، ومن لم يعترف به فقد كفر بتنزيل الله وجحد آيات الله.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى فوق عرشه فوق سمواته. وقال للأمة السوداء: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: أعتقها فإنها مؤمنة. فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها مؤمنة. [ ص: 690 ] دليل على أنها لو لم تؤمن أن الله في السماء لم تكن مؤمنة، وأنه لا يجوز في الرقبة المؤمنة إلا من يحد الله أنه في السماء، كما قال الله ورسوله.

التالي السابق


الخدمات العلمية