الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                                                                                                          2273 - مسألة : الطير فيمن سرقها ؟ [ ص: 319 ] قال أبو محمد رحمه الله : اختلف الناس في القطع في الطير إذا سرق ، كالدجاج ، والإوز ، وغيرها . فقالت طائفة : لا قطع في شيء من ذلك : كما نا محمد بن سعيد بن نبات نا عبد الله بن نصر نا قاسم بن أصبغ نا ابن وضاح نا موسى بن معاوية نا وكيع نا سفيان الثوري عن جابر بن يزيد الجعفي عن عبد الله بن يسار قال : أتي عمر بن عبد العزيز برجل قد سرق دجاجا ، فأراد أن يقطعه ، فقال أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف كان عثمان يقول : لا قطع في طير ؟ فخلى عمر سبيله . حدثنا حمام نا ابن مفرج نا ابن الأعرابي نا الدبري نا عبد الرزاق عن عبد الله بن المبارك عن سفيان الثوري عن جابر الجعفري عن عبد الله بن يسار ، قال : أراد عمر بن عبد العزيز أن يقطع سارقا سرق دجاجة ، فقال له أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف : إن عثمان بن عفان قال : لا قطع في طير .

                                                                                                                                                                                          وبه يقول أبو حنيفة ، وأحمد بن حنبل ، وأصحابهما ، وإسحاق بن راهويه . وقالت طائفة : القطع فيه - إذا سرق من حرز - وهو قول مالك ، والشافعي ، وأصحابهما . وقالت طائفة : القطع فيها على كل حال ، إذا سرقت ؟ قال أبو محمد رحمه الله : فنظرنا فيما اختلفوا من ذلك ، فوجدنا من احتج بقول من لم ير القطع فيه ، فوجدناهم يقولون : إن إبطال القطع فيه قد روي عن عثمان بن عفان - ولا يعرف له في ذلك مخالف من الصحابة .

                                                                                                                                                                                          وادعى بعضهم أنه روى نحو ذلك عن علي ، هذا لا يعرف .

                                                                                                                                                                                          وقالوا : إن الأصل فيه أنه تافه في الأصل مباح ، فإذا كان مملوكا لم يقطع سارقه ، إذا كان ما هذا وصفه لم يقطع سارقه ، والطير إذا كان مباحا ، وكان فرخا فلا قيمة له ، وإنما تصير له القيمة بعدما يصير مملوكا بالتعليم . فهذا كل ما موهوا به ، ما لهم شبهة غير ذلك لا حجة لهم فيه أصلا ؟ قال أبو محمد رحمه الله : فإذا قد عرى قولهم من حجة ، وكان الطير مالا من [ ص: 320 ] الأموال ، فقد تعين ذلك ملكا لصاحبه ، كالدجاج ، والحمام ، وشبهها وجب فيه القطع بقول الله تعالى { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } .

                                                                                                                                                                                          وبإيجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم القطع على من سرق .

                                                                                                                                                                                          ولم يخص الله تعالى ، ولا رسوله عليه السلام - من ذلك - طيرا ولا غيره - وتالله ، أراد الله تعالى الذي يعلم سر كل من خلق ، وكل ما هو كائن ، وحادث ، من حركة أو نفس ، وكلمة ، أبد الأبد ، وكل ما لا يكون لو كان كيف كان يكون ، أن يخص من القطع من سرق الطير ، لما أغفل ذلك ، ولا أهمله .

                                                                                                                                                                                          فنحن نشهد بشهادة الله تعالى أن الله تعالى لم يرد قط إسقاط القطع عن سارق الطير ، بل قد أمر الله تعالى بقطعه نصا - والحمد لله رب العالمين .

                                                                                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                                                                                          الخدمات العلمية