الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
قال : ولو أن رجلا له امرأتان إحداهما كبيرة والأخرى صغيرة وللكبيرة لبن من غيره ، ولم يدخل بها فأرضعت الكبيرة الصغيرة بانتا منه بغير طلاق ; لأنهما صارتا أما وبنتا ، وذلك ينافي النكاح ابتداء وبقاء والفرقة بمثل هذا السبب تكون بغير طلاق فإن تزوج بعد ذلك الصغيرة كانت عنده على ثلاث تطليقات وله أن يتزوجها ; لأن مجرد العقد على الأم لا يحرم الابنة من النسب فكيف يحرم الابنة من الرضاعة ، وهذا اللبن ليس منه ; لأنه لم يدخل بها ، ولا تصير الصغيرة ابنته من الرضاعة وليس للكبيرة عليه من الصداق شيء ; لأن الفرقة جاءت من قبلها حين أرضعت الصغيرة وللصغيرة نصف الصداق ; لأن الفرقة لم تكن من قبلها ، فإن فعلها الارتضاع ، وذلك لا يصلح لبناء الحكم عليه ، وفي إسقاط جميع الصداق إذا جاءت الفرقة من قبلها معنى العقوبة من وجه فلا يثبت ذلك بفعل الصغيرة ، كما لا يثبت حرمان الميراث بقتل الصغيرة ويستوي إذا كانت الكبيرة تعلم أن الصغيرة امرأة زوجها أو لا تعلم ذلك فيما بينا من الحكم إلا أنها إذا كانت تعلم ، وقد تعمدت الفساد ، فإنه يرجع الزوج عليها بنصف مهر الصغيرة ، وهذا إذا أقرت أنها تعمدت الفساد ، وإن لم تتعمد الفساد أو لم تعلم أنها امرأته فلا شيء عليها ، وفيها قول آخر أنه يرجع عليها بنصف الصداق سواء تعمدت الفساد أو لم تتعمده ، وقد بينا أن هذه رواية عن محمد ، وهو قول أبي يوسف وأحد قولي الشافعي رحمه الله ; لأن السبب قد تقرر ، وإن لم يعلم به [ ص: 308 ] إلا أنا نقول : المسبب إذا لم يكن متعديا في التسبب لا يكون ضامنا كحافر البئر في ملك نفسه ، وإن اختلفا فقال الزوج : تعمدت الفساد وقالت المرأة : ما تعمدت ذلك فالقول قولها ; لأن الزوج يدعي عليها الضمان وهي منكرة ، ولو كانت الكبيرة مصابة فأرضعت الصغيرة في جنونها بانتا منه ولكل واحدة منهما نصف الصداق ; لأنه ، كما لا يعتبر فعل الصغيرة فيما فيه معنى العقوبة لا يعتبر فعل المجنونة ، ولا يرجع الزوج على الكبيرة ; لأنها غير متعدية في السبب لكونها مصابة ، وكذلك لو جاءت الصغيرة إلى الكبيرة وهي نائمة فارتضعت من ثديها كان لكل واحدة منهما نصف الصداق ; لأنه لم يوجد من الكبيرة فعل في الفرقة ، ولا معتبر بفعل الصغيرة

ولو أن رجلا جاء وأخذ من لبن الكبيرة في مسعط فأوجر به الصغيرة ، ولا تعلم الكبيرة أي شيء يريد ، فإنهما يبينان منه وعلى الزوج نصف الصداق لكل واحدة منهما

فإن أقر الرجل أنه أراد الفساد رجع الزوج بجميع ما غرم لهما لكونه متعديا في التسبب ، وإن قال لم : أتعمد الفساد فالقول قوله ، ولا يرجع عليه الزوج بشيء في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ، وفي القول الآخر يرجع ، وهذا يبين لك أن القول الآخر قول محمد رحمه الله

وإن كان الزوج هو الذي فعل ذلك يعني الإيجار بانتا " منه وعليه نصف الصداق لكل واحدة منهما ، ولا رجوع له على أحد ; لأن الفرقة إنما وقعت بسبب من جهته قبل الدخول

التالي السابق


الخدمات العلمية