الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      صفحة جزء
                                                                                      وقال ابن إسحاق : حدثني عبد الله بن أبي بكر ، قال : قدم مقيس بن صبابة على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، وقد أظهر الإسلام ، يطلب بدم أخيه هشام ، وكان قتله رجل من المسلمين يوم بني المصطلق ولا يحسبه [ ص: 180 ] إلا مشركا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قتل أخوك خطأ . وأمر له بديته ، فأخذها ، فمكث مع المسلمين شيئا ، ثم عدا على قاتل أخيه فقتله ، ولحق بمكة كافرا . فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم- عام الفتح بقتله ، فقتله رجل من قومه يقال له نميلة بن عبد الله ; بين الصفا والمروة .

                                                                                      وحدثني عبد الله بن أبي بكر ، وأبو عبيدة بن محمد بن عمار : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أمر بقتل ابن أبي سرح لأنه كان قد أسلم ، وكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي ، فرجع مشركا ولحق بمكة .

                                                                                      قال ابن إسحاق : وإنما أمر بقتل عبد الله بن خطل ; أحد بني تيم بن غالب ; لأنه كان مسلما ، فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا ، وبعث معه رجلا من الأنصار ، وكان معه مولى يخدمه وكان مسلما . فنزل منزلا فأمر المولى أن يذبح تيسا ويصنع له طعاما ، ونام فاستيقظ ولم يصنع له شيئا فقتله وارتد . وكان له قينة وصاحبتها تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمر بقتلهما معه ، وكان ممن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم .

                                                                                      وقال يعقوب القمي : حدثنا جعفر بن أبي المغيرة ، عن ابن أبزى ، قال : لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ، جاءت عجوز حبشية شمطاء تخمش وجهها وتدعو بالويل . فقيل : يا رسول الله ، رأينا كذا وكذا . فقال : " تلك نائلة أيست أن تعبد ببلدكم هذا أبدا " كأنه منقطع .

                                                                                      وقال يونس بن بكير ، عن زكريا ، عن الشعبي ، عن الحارث بن مالك ; هو ابن برصاء ; قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح يقول : " لا تغزى مكة بعد اليوم أبدا إلى يوم القيامة " .

                                                                                      [ ص: 181 ] وقال محمد بن فضيل : حدثنا الوليد بن جميع ، عن أبي الطفيل قال : لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ; بعث خالد بن الوليد إلى نخلة ، وكانت بها العزى ، فأتاها خالد وكانت على ثلاث سمرات ، فقطع السمرات وهدم البيت الذي كان عليها . ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فقال : " ارجع ، فإنك لم تصنع شيئا " فرجع خالد ، فلما نظرت إليه السدنة ; وهم حجابها ; أمعنوا في الجبل وهم يقولون : يا عزى خبليه ، يا عزى عوريه ، وإلا فموتي برغم . فأتاها خالد ، فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحثو التراب على رأسها ، فعممها بالسيف حتى قتلها . ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فقال : " تلك العزى " . أبو الطفيل له رؤية .

                                                                                      وقال ابن إسحاق : حدثني أبي ، قال : حدثني بعض آل جبير بن مطعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة ، أمر بلالا فعلا على ظهر الكعبة ، فأذن عليها ، فقال بعض بني سعيد بن العاص : لقد أكرم الله سعيدا قبل أن يرى هذا الأسود على ظهر الكعبة .

                                                                                      وقال عروة : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا يوم الفتح فأذن على الكعبة .

                                                                                      وقال الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن سعيد بن أبي هند : أن أبا مرة مولى عقيل حدثه ، أن أم هانئ بنت أبي طالب حدثته ; أنه لما كان عام الفتح فر إليها رجلان من بني مخزوم ، فأجارتهما . قالت : فدخل علي علي ، فقال : أقتلهما . فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو بأعلى مكة ، فلما رآني رحب بي ، فقال : " ما جاء بك يا أم هانئ ؟ " قالت : يا نبي الله ، كنت قد أمنت رجلين من أحمائي فأراد علي قتلهما . فقال : " قد أجرنا من أجرت " ثم قام إلى غسله ، فسترت عليه فاطمة . ثم أخذ ثوبا [ ص: 182 ] فالتحف به ثم صلى ثمان ركعات ; سبحة الضحى . أخرجه مسلم .

                                                                                      وقال الليث ، عن المقبري ، عن أبي شريح العدوي ، أنه قال لعمرو بن سعيد ، وهو يبعث البعوث إلى مكة : ائذن لي أيها الأمير ، أحدث قولا قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح ؟ سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به ; أنه حمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : " إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس ، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ، ولا يعضد بها شجرة ، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ، فقولوا له : إن الله قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم ، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار . قد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس . فليبلغ الشاهد الغائب " فقيل لأبي شريح : ماذا قال لك عمرو ؟ قال : قال : أنا أعلم بذاك منك يا أبا شريح ، إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بدم ولا فارا بخربة . متفق عليه .

                                                                                      التالي السابق


                                                                                      الخدمات العلمية