الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      صفحة جزء
                                                                                      قال الزهري في حديثه : فجاء سهيل بن عمرو ، فقال : هات اكتب بيننا وبينك كتابا . فدعا الكاتب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اكتب بسم الله الرحمن الرحيم " . فقال سهيل : أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو ، ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب . فقال المسلمون : والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " اكتب باسمك اللهم " ثم قال : " هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله " . فقال سهيل : والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ، ولكن اكتب محمد بن عبد الله . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إني لرسول الله وإن كذبتموني ، اكتب محمد بن عبد الله .

                                                                                      قال الزهري : وذلك لقوله : لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها .

                                                                                      [ ص: 35 ] فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف . فقال : والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة ، ولكن لك من العام المقبل . فكتب . فقال سهيل : على أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا . فقال : المسلمون : سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما ؟ فبينا هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده قد خرج من أسفل مكة حتى رمى نفسه بين أظهر المسلمين . فقال سهيل : وهذا أول ما أقاضيك عليه أن ترده . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنا لم نقض الكتاب بعد . قال : فوالله إذا لا نصالحك على شيء أبدا ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : فأجره لي . قال : ما أنا بمجيره لك . قال : بلى ، فافعل . قال : ما أنا بفاعل . قال مكرز : بلى قد أجرناه . قال أبو جندل : معاشر المسلمين أأرد إلى المشركين وقد جئت مسلما ، ألا ترون ما قد لقيت ؟ وكان قد عذب عذابا شديدا في الله .

                                                                                      فقال عمر : والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ، ألست نبي الله ؟ قال : " بلى " قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : " بلى " قلت : فلم نعطي الدنية في ديننا إذا ؟ قال : " إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري " قلت : أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف حقا ؟ قال : " بلى " أنا أخبرتك أنك تأتيه العام ؟ قلت : لا . قال : فإنك آتيه ومطوف به . قال : فأتيت أبا بكر فقلت : يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا ؟ قال : بلى . قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى . قلت : فلم نعطي الدنية في ديننا إذا ؟ قال : أيها الرجل إنه رسول الله وليس يعصي [ ص: 36 ] ربه وهو ناصره ، فاستمسك بغرزه حتى تموت ، فوالله إنه لعلى الحق . قلت : أوليس كان يحدثنا أنه سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال : بلى ، أفأخبرك أنك تأتيه العام ؟ قلت : لا . قال : فإنك آتيه ومطوف به .

                                                                                      قال : الزهري . قال عمر : فعملت لذلك أعمالا .

                                                                                      فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قوموا فانحروا ثم احلقوا . قال : فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ثلاث مرات . فلما لم يقم منهم أحد ، قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس فقالت : يا نبي الله أتحب ذلك ؟ اخرج ثم لا تكلم أحدا كلمة حتى تنحر بدنك ، ثم تدعو بحالقك فيحلقك . فقام فخرج فلم يكلم أحدا حتى فعل ذلك . فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا ، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما . ثم جاءه نسوة مؤمنات ، وأنزل الله : ( إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن ) حتى بلغ ( ولا تمسكوا بعصم الكوافر ( 10 ) ) [ الممتحنة ] . فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك ، فتزوج إحداهما معاوية ، والأخرى صفوان بن أمية .

                                                                                      ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، فجاءه أبو بصير ، رجل من قريش ، وهو مسلم ، فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا : العهد الذي جعلت لنا . فدفعه إلى الرجلين ، فخرجا به حتى بلغا به ذا الحليفة ، فنزلوا يأكلون من تمر لهم . فقال أبو بصير لأحد الرجلين : والله إني لأرى سيفك هذا جيدا جدا . فاستله الآخر فقال : أجل ، والله إنه لجيد ، لقد جربت به ثم جربت . فقال أبو بصير : أرني أنظر إليه . فأمكنه منه فضربه حتى برد . وفر الآخر حتى بلغ المدينة فدخل المسجد يعدو ، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم قتل والله صاحبي وإني لمقتول . قال : فجاء أبو بصير فقال : يا نبي [ ص: 37 ] الله قد أوفى الله ذمتك ، والله قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد " . فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم . فخرج حتى أتى سيف البحر . وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير ، فلا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير ، حتى اجتمعت منهم عصابة .

                                                                                      قال : فوالله لا يسمعون بعير لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم . فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم ، فمن أتاه منهم فهو آمن . فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم فأنزل : ( وهو الذى كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ( 24 ) ) حتى بلغ ( حمية الجاهلية ( 26 ) ) [ الفتح ] . وكانت حميتهم أنهم لم يقروا بنبي الله ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم ، وحالوا بينهم وبين البيت . أخرجه البخاري ، عن المسندي ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، بطوله .

                                                                                      وقال قرة ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من يصعد الثنية ، ثنية المرار ، فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل . فكان أول من صعد خيل بني الخزرج . ثم تبادر الناس بعد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر . فقلنا : تعال يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : والله لأن أجد ضالتي أحب إلي من أن يستغفر لي صاحبكم . وإذا هو رجل ينشد ضالة . أخرجه مسلم .

                                                                                      وقال البخاري : عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن البراء ، قال : تعدون أنتم الفتح فتح مكة ، وقد كان فتح مكة فتحا ، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية . كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم أربع [ ص: 38 ] عشرة مائة ، والحديبية بئر ، فنزحناها فما تركنا فيها قطرة ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأتاها فجلس على شفيرها ثم دعا بإناء من ماء منها فتوضأ ثم تمضمض ودعا ثم صبه فيها فتركها غير بعيد ، ثم إنها أصدرتنا نحن وركابنا . أخرجه البخاري .

                                                                                      وقال عكرمة بن عمار ، عن إياس بن سلمة بن الأكوع ، عن أبيه ، قال : قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديبية ، ونحن أربع عشرة مائة ، وعليها خمسون شاة ما ترويها ، فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على جباها ، فإما دعا وإما بزق فيها فجاشت فسقينا واستقينا . أخرجه مسلم .

                                                                                      وقال البكائي : قال ابن إسحاق : حدثني الزهري ، عن عروة عن مسور ، ومروان بن الحكم أنهما حدثاه ، قالا : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية يريد زيارة البيت ، لا يريد قتالا . وساق معه الهدي سبعين بدنة ، وكان الناس سبع مائة رجل ، فكانت كل بدنة عن عشرة نفر .

                                                                                      قال ابن إسحاق : وكان جابر بن عبد الله فيما بلغني يقول : كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة .

                                                                                      قلت : قد ذكرنا عن جماعة من الصحابة كقول جابر .

                                                                                      ثم ساق ابن إسحاق حديث الزهري بطوله ، وفيه ألفاظ غريبة ، منها : وجعل عروة بن مسعود يكلم النبي صلى الله عليه وسلم ، والمغيرة واقف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديد . قال : فجعل يقرع يد عروة إذا تناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول : اكفف يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم أن [ ص: 39 ] لا تصل إليك . فيقول عروة : ويحك ما أفظك وأغلظك . قال : فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال له عروة : من هذا يا محمد ؟ قال : هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة . قال : أي غدر ، وهل غسلت سوءتك إلا بالأمس ؟

                                                                                      قال ابن هشام : أراد عروة بقوله هذا أن المغيرة قبل إسلامه قتل ثلاثة عشر رجلا من بني مالك بن ثقيف ، فتهايج الحيان من ثقيف رهط المقتولين ، والأحلاف رهط المغيرة ، فودى عروة المقتولين ثلاثة عشر دية ، وأصلح الأمر .

                                                                                      وقال ابن لهيعة : حدثنا أبو الأسود ، قال عروة : وخرجت قريش من مكة ، فسبقوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى بلدح وإلى الماء ، فنزلوا عليه ، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد سبق نزل على الحديبية ، وذلك في حر شديد وليس بها إلا بئر واحدة ، فأشفق القوم من الظمأ وهم كثير ، فنزل فيها رجال يميحونها ، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدلو من ماء فتوضأ في الدلو ومضمض فاه ثم مج فيه ، وأمر أن يصب في البئر ، ونزع سهما من كنانته فألقاه في البئر ودعا الله تعالى ، ففارت بالماء حتى جعلوا يغترفون بأيديهم منها ، وهم جلوس على شفتها . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم سلك على غير الطريق التي بلغه أن قريشا بها .

                                                                                      التالي السابق


                                                                                      الخدمات العلمية