الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      صفحة جزء
                                                                                      قال ابن إسحاق : فحدثني عبد الله بن أبي بكر ، أن رجلا من أسلم قال : أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فسلك بهم طريقا وعرا أخزل من شعاب ، فلما خرجوا منه وقد شق ذلك على المسلمين ، وأفضوا [ ص: 40 ] إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قولوا " نستغفر الله ونتوب إليه " فقالوا ذلك . فقال : " والله إنها للحطة التي عرضت على بني إسرائيل فلم يقولوها " .

                                                                                      قال عبد الملك بن هشام : فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال : " اسلكوا ذات اليمين بين ظهري المحمص في طريق تخرجه على ثنية المرار ، مهبط الحديبية من أسفل مكة " فلما رأت قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم ركضوا راجعين إلى قريش .

                                                                                      وقال شعبة ، وغيره ، عن حصين ، عن سالم بن أبي الجعد ، قال : قلت لجابر : كم كنتم يوم الشجرة ؟ قال : كنا ألفا وخمس مائة : وذكر عطشا أصابهم ، فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء في تور فوضع يده فيه ، فجعل الماء يخرج من بين أصابعه كأنه العيون ، فشربنا ووسعنا وكفانا ، ولو كنا مائة ألف لكفانا .

                                                                                      وقد أخرجه البخاري من أوجه أخر عن حصين .

                                                                                      وقال أبو عوانة ، عن الأسود بن قيس ، عن نبيح العنزي ، قال : قال جابر بن عبد الله : غزونا أو سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونحن يومئذ أربع عشرة مائة ، فحضرت الصلاة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل في القوم من طهور ؟ فجاء رجل يسعى بإداوة فيها شيء من ماء ليس في القوم ماء غيره ، فصبه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قدح ثم توضأ ، ثم انصرف وترك القدح . قال : فركب الناس ذلك القدح وقالوا : تمسحوا تمسحوا . فقال رسول [ ص: 41 ] الله صلى الله عليه وسلم : " على رسلكم " حين سمعهم يقولون ذلك . قال : فوضع كفه في الماء والقدح وقال : " سبحان الله " ثم قال : " أسبغوا الوضوء " فوالذي ابتلاني ببصري لقد رأيت العيون عيون الماء تخرج من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يرفعها حتى توضئوا أجمعون ، رواه مسدد ، عنه .

                                                                                      وقال عكرمة بن عمار العجلي : حدثنا إياس بن سلمة ، عن أبيه ، قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ، فأصابنا جهد ، حتى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا . فأمر نبي الله صلى الله عليه وسلم فجمعنا مزاودنا فبسطنا له نطعا ، فاجتمع زاد القوم على النطع . فتطاولت لأحزر كم هو ؟ فحزرته كربضة العنز ونحن أربع عشرة مائة . قال : فأكلنا حتى شبعنا جميعا ثم حشونا جرباننا . ثم قال نبي الله صلى الله عليه وسلم : هل من وضوء ؟ فجاء رجل بإداوة له ، فيها نطفة فأفرغها في قدح . فتوضأنا كلنا ، ندغفقه دغفقة ، أربع عشرة مائة . قال : ثم جاء بعد ذلك ثمانية فقالوا : هل من طهور ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فرغ الوضوء " . أخرجه مسلم .

                                                                                      وقال موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب ، قال : قال ابن عباس : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية كلمه بعض أصحابه فقالوا : جهدنا وفي الناس ظهر فانحره . فقال عمر : لا تفعل يا رسول الله فإن الناس إن يكن معهم بقية ظهر أمثل . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ابسطوا أنطاعكم وعباءكم . ففعلوا . ثم قال : من كان عنده بقية من زاد وطعام فلينثره . [ ص: 42 ] ودعا لهم ثم قال : قربوا أوعيتكم . فأخذوا ما شاء الله . يحدثه نافع بن جبير .

                                                                                      وقال يحيى بن سليم الطائفي ، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن أبي الطفيل ، عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل مر الظهران في صلح قريش قال أصحابه : لو انتحرنا يا رسول الله من ظهورنا فأكلنا من لحومها وشحومها وحسونا من المرق أصبحنا غدا إذا عدونا عليهم وبنا جمام . قال : لا ، ولكن ائتوني بما فضل من أزوادكم . فبسطوا أنطاعا ثم صبوا عليها فضول أزوادهم . فدعا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة ، فأكلوا حتى تضلعوا شبعا ، ثم لففوا فضول ما فضل من أزوادهم في جربهم .

                                                                                      مالك ، عن إسحاق بن أبي طلحة ، عن أنس ، قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحانت صلاة العصر والتمسوا الوضوء ، فلم يجدوه . فأتي بوضوء ، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده في ذلك الإناء وأمر الناس أن يتوضئوا منه قال : فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه . فتوضأ الناس حتى توضئوا من عند آخرهم . متفق عليه .

                                                                                      وقال حماد بن زيد : حدثنا ثابت ، عن أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بماء فأتي بقدح رحراح فجعل القوم يتوضئون . فحزرت ما بين السبعين إلى الثمانين من توضأ منه ، فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه . متفق عليه .

                                                                                      وقال عبد الله بن بكر : حدثنا حميد ، عن أنس ، قال : حضرت الصلاة ، فقام من كان قريب الدار إلى أهله يتوضأ وبقي قوم . فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بمخضب من حجارة فيه ماء ، فصغر المخضب أن يبسط فيه كفه [ ص: 43 ] فتوضأ القوم . قلنا : كم هم ؟ قال : ثمانون وزيادة . أخرجه البخاري . وجاء : أنهم كانوا بقباء .

                                                                                      وقال ابن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بالزوراء يتوضئون . فوضع كفه في الماء ، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه حتى توضئوا . فقلنا لأنس : كم كنتم ؟ قال : زهاء ثلاث مائة . أخرجه مسلم ، والبخاري أيضا بمعناه ، والزوراء بالمدينة عند السوق والمسجد .

                                                                                      وقال أبو عبد الرحمن المقرئ : حدثنا عبد الرحمن بن زياد ، قال حدثني زياد بن نعيم الحضرمي ، قال : سمعت زياد بن الحارث الصدائي ، قال : بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر حديثا طويلا منه : فوضع كفه صلى الله عليه وسلم في الماء فرأيت بين إصبعين من أصابعه عينا تفور . فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : لولا أن أستحيي من ربي لسقينا واستقينا . عبد الرحمن ضعيف .

                                                                                      وهذه الأحاديث تدل على البركة في الماء غير مرة .

                                                                                      وقال إسرائيل ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ، قال : كنا نأكل مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نسمع تسبيح الطعام . وأتي بإناء فجعل الماء ينبع من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم . فقال : حي على الطهور المبارك والبركة من السماء حتى توضأنا كلنا . أخرجه البخاري .

                                                                                      [ ص: 44 ] وقال أبو كدينة ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي الضحى ، عن ابن عباس ، قال : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بإناء من ماء فجعل أصابعه في فم الإناء وفتح أصابعه ، فرأيت العيون تنبع من بين أصابعه ، وذكر الحديث . إسناده جيد .

                                                                                      وقال ابن لهيعة : حدثنا أبو الأسود ، قال : قال عروة في نزوله صلى الله عليه وسلم بالحديبية : ففزعت قريش لنزوله عليهم ، فأحب أن يبعث إليهم رجلا . فدعا عمر ليبعثه فقال : إني لا آمنهم ، وليس بمكة أحد من بني كعب يغضب لي ، فأرسل عثمان فإن عشيرته بها . فدعا عثمان فأرسله وقال : أخبرهم أنا لم نأت لقتال ، وادعهم إلى الإسلام . وأمره أن يأتي رجالا بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات فيدخل عليهم ويبشرهم بالفتح . فانطلق عثمان فمر على قريش ببلدح . فقالت قريش : إلى أين ؟ فقال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم لأدعوكم إلى الإسلام ، ويخبركم أنا لم نأت لقتال وإنما جئنا عمارا . فدعاهم عثمان كما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم . قالوا : قد سمعنا ما تقول فانفذ لحاجتك . وقام إليه أبان بن سعيد بن العاص فرحب به وأسرج فرسه ، فحمل عليه عثمان فأجاره ، وردفه أبان حتى جاء مكة . ثم إن قريشا بعثوا بديل بن ورقاء ; فذكر الحديث والصلح . وذكر أنهم أمن بعضهم بعضا وتزاوروا . فبينا هم كذلك ، وطوائف من المسلمين في المشركين ، إذ رمى رجل رجلا من الفريق الآخر . فكانت معاركة ، وتراموا بالنبل والحجارة ، وصاح الفريقان وارتهن كل واحد من الفريقين من فيهم ، فارتهن المسلمون سهيل بن عمرو وغيره ، وارتهن المشركون عثمان وغيره .

                                                                                      ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيعة . ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا إن [ ص: 45 ] روح القدس قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بالبيعة ، فاخرجوا على اسم الله فبايعوا . فثار المسلمون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت الشجرة ، فبايعوه على أن لا يفروا أبدا . فذكر القصة بطولها ، وفيها : فقال المسلمون وهم بالحديبية قبل أن يرجع عثمان بن عفان : خلص عثمان من بيننا إلى البيت فطاف به . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما أظنه طاف بالبيت ونحن محصورون " قالوا : وما يمنعه يا رسول الله وقد خلص ؟ قال : " ذلك ظني به أن لا يطوف بالكعبة حتى يطوف معنا " فرجع إليهم عثمان ، فقال المسلمون : اشتفيت يا أبا عبد الله من الطواف بالبيت ؟ فقال عثمان : بئس ما ظننتم بي ، فوالذي نفسي بيده لو مكثت بها مقيما سنة ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقيم بالحديبية ما طفت بها حتى يطوف بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولقد دعتني قريش إلى الطواف بالبيت فأبيت .

                                                                                      وقال البكائي ، عن ابن إسحاق : فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين بلغه أن عثمان قد قتل : " لا نبرح حتى نناجز القوم " فدعا الناس إلى البيعة . فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة . فكان الناس يقولون : بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت ، وكان جابر يقول : لم يبايعنا على الموت ، ولكن بايعنا على أن لا نفر .

                                                                                      وقال يونس ، عن ابن إسحاق : حدثني بعض آل عثمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب بإحدى يديه على الأخرى ، وقال : هذه لي وهذه لعثمان إن كان حيا : ثم بلغهم أن ذلك باطل ، ورجع عثمان . ولم يتخلف عن بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد إلا الجد بن قيس أخو بني سلمة . قال جابر : والله لكأني أنظر إليه لاصقا بإبط ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد [ ص: 46 ] ضبأ إليها يستتر بها من الناس .

                                                                                      وقال الحسن بن بشر البجلي : حدثنا الحكم بن عبد الملك - وليس بالقوي قاله النسائي - عن قتادة ، عن أنس ، قال : لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيعة الرضوان كان عثمان رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة . فبايع الناس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن عثمان في حاجة الله ورسوله . فضرب بإحدى يديه على الأخرى فكانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان خيرا من أيديهم لأنفسهم .

                                                                                      وقال ابن عيينة : حدثنا أبو الزبير ، سمع جابرا يقول : لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة وجدنا رجلا منا يقال له الجد بن قيس مختبئا تحت إبط بعير . أخرجه مسلم من حديث ابن جريج ، عن أبي الزبير ، وبه قال : لم نبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الموت ، ولكن بايعناه على أن لا نفر .

                                                                                      أخرجه مسلم عن ابن أبي شيبة ، عن ابن عيينة ، وأخرجه من حديث الليث ، عن أبي الزبير ، وقال : فبايعناه وعمر رضي الله عنه آخذ بيده تحت الشجرة ، وهي سمرة .

                                                                                      وقال خالد الحذاء ، عن الحكم بن عبد الله الأعرج ، عن معقل بن يسار ، قال : لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع الناس وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه ، ونحن أربع عشرة مائة . ولم نبايعه على الموت ولكن بايعناه على أن لا نفر . أخرجه مسلم .

                                                                                      التالي السابق


                                                                                      الخدمات العلمية