الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                      صفحة جزء
                                                                      840 حدثنا سعيد بن منصور حدثنا عبد العزيز بن محمد حدثني محمد بن عبد الله بن حسن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه [ ص: 53 ]

                                                                      التالي السابق


                                                                      [ ص: 53 ] ( إذا سجد أحدكم فلا يبرك ) نهي وقيل نفي ( كما يبرك البعير ) أي لا يضع ركبتيه قبل يديه كما يبرك البعير ، شبه ذلك ببروك البعير مع أنه يضع يديه قبل رجليه لأن ركبة الإنسان في الرجل وركبة الدواب في اليد ، وإذا وضع ركبتيه أولا فقد شابه الإبل في البروك ( وليضع ) بسكون اللام وتكسر ( يديه قبل ركبتيه ) قال التوربشتي : كيف نهى عن بروك البعير ثم أمر بوضع اليدين قبل الركبتين والبعير يضع اليدين قبل الرجلين ؟ والجواب أن الركبة من الإنسان في الرجلين ومن ذوات الأربع في اليدين يدل على صحته قول سراقة : ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين في حديث هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - رواه البخاري ، ومن هاهنا ظهر أن القول بأن الركبة في ذوات الأربع في اليدين ليس كلاما لا يعقل ولا يعرفه أهل اللغة ، كما قال العلامة ابن القيم في زاد المعاد . والحديث أخرجه الترمذي وقال : غريب لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه انتهى .

                                                                      وقال البخاري : إن محمد بن عبد الله بن حسن بن علي بن أبي طالب لا يتابع عليه ، وقال : لا أدري من أبي الزناد أو لا . قال الدارقطني : تفرد به الدراوردي عن محمد بن عبد الله المذكور .

                                                                      قال المنذري : وفيما قال الدارقطني نظر ، فقد روى نحوه عبد الله بن نافع عن محمد بن عبد الله وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي من حديثه كذا في النيل . وحديث أبي هريرة هذا يدل على سنية وضع اليدين قبل الركبتين ، وإليه ذهب الأوزاعي ومالك وابن حزم وأحمد في رواية ، وروى الحازمي عن الأوزاعي أنه قال : أدركت الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم . قال ابن أبي داود : وهو قول أصحاب الحديث . وهذا الحديث أقوى من حديث وائل بن حجر المذكور لأن له شاهدا من حديث ابن عمر أخرجه ابن خزيمة وصححه وذكره البخاري تعليقا موقوفا . كذا قال الحافظ في بلوغ المرام ، وقد أخرجه الدارقطني بإسناد حسن والحاكم في المستدرك مرفوعا بلفظ : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سجد يضع يديه قبل ركبتيه . وقال على شرط مسلم .

                                                                      [ ص: 54 ] وقال الحافظ ابن سيد الناس : أحاديث وضع اليدين قبل الركبتين أرجح ، وقال :

                                                                      ينبغي أن يكون حديث أبي هريرة داخلا في الحسن على رسم الترمذي لسلامة رواته من الجرح .

                                                                      فإن قيل : قال الخطابي في المعالم : حديث وائل أثبت من حديث أبي هريرة وله أيضا شاهد عن عاصم الأحول عن أنس قال : " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم انحط بالتكبير حتى سبقت ركبتاه يديه " أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي على شرطهما . قيل المقال الذي في حديث أبي هريرة لا يزيد على المقال الذي في حديث وائل قاله الشوكاني .

                                                                      وأما شاهده عن عاصم الأحول عن أنس فقال البيهقي : تفرد به العلاء بن إسماعيل العطار وهو مجهول . قال الدارقطني : تفرد به العلاء بن إسماعيل عن حفص بهذا الإسناد ، وأما الحاكم فتساهله مشهور . فإن قيل : قال بعضهم : إن آخر حديث أبي هريرة انقلب على بعض الرواة ، وأنه كان : وليضع ركبتيه قبل يديه . قيل : كلا ; إذ لو فتح هذا الباب لم يبق اعتماد على رواية راو مع كونها صحيحة . فإن قيل : روى أبو بكر بن أبي شيبة عن محمد بن فضل عن عبد الله بن سعيد عن جده عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه ولا يبرك كبروك الفحل فهذه الرواية تدل على الانقلاب المذكور ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يصدق ذلك ويوافق حديث وائل بن حجر .

                                                                      قال ابن أبي داود : حدثنا يوسف بن عدي حدثنا ابن فضيل عن عبد الله بن سعيد عن جده عن أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد بدأ بركبتيه قبل يديه . قيل في كلتا الروايتين واسطة عبد الله بن سعيد ، وقد ضعفه يحيى القطان وغيره . قال أبو أحمد الحاكم : إنه ذاهب الحديث ، وقال أحمد بن حنبل : هو منكر الحديث متروك الحديث ، وقال يحيى بن معين ليس بشيء لا يكتب حديثه و قال أبو زرعة هو ضعيف لا يوقف منه على شيء وقال أبو حاتم : ليس بقوي ، وقال ابن عدي : عامة ما يروي الضعف عليه بين فهما لضعفهما ليستا على الدلالة على الانقلاب المذكور في شيء ، فإن قيل : إن حديث أبي هريرة وابن عمر منسوخان بما أخرج ابن خزيمة في صحيحه من حديث مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال : كنا نضع اليدين قبل الركبتين ، فأمرنا أن نضع الركبتين قبل اليدين ، قيل قال الحازمي : في إسناده مقال . ولو كان محفوظا لدل على النسخ ، غير أن المحفوظ عن مصعب عن أبيه حديث نسخ التطبيق . وقال الحافظ في الفتح : إنه من أفراد إبراهيم بن إسماعيل بن سلمة بن كهيل عن أبيه وهما ضعيفان . وقد ذكروا وجوها في ترجيح حديث وائل على حديث أبي هريرة لكنها كلها مخدوشة .




                                                                      الخدمات العلمية