الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                              المسألة الثالثة عشرة قوله تعالى : { فاستغفر ربه } : اختلف المفسرون في الذنب الذي استغفر منه على أقوال : الأول : قيل : إنه نظر إلى المرأة حتى شبع منها .

                                                                                                                                                                                                              الثاني : أنه أغزى زوجها في حملة التابوت .

                                                                                                                                                                                                              الثالث : أنه نوى إن مات زوجها أن يتزوجها .

                                                                                                                                                                                                              الرابع أنه حكم لأحد الخصمين من قبل أن يسمع من الآخر .

                                                                                                                                                                                                              قال القاضي : قد بينا أن الأنبياء معصومون على الصفة المتقدمة من الذنوب المحدودة على وجه بين ، فأما من قال : إنه حكم لأحد الخصمين قبل أن يسمع من الآخر فلا يجوز ذلك على الأنبياء ، وكذلك تعريض زوجها للقتل كما قدمنا تصوير للحق على روح الباطل ، والأعمال بالنيات .

                                                                                                                                                                                                              وأما من قال : إنه نظر إليها حتى شبع فلا يجوز ذلك عندي بحال ; لأن طموح البصر [ ص: 47 ] لا يليق بالأولياء المتجردين للعبادة ، فكيف بالأنبياء الذين هم الوسائط المكاشفون بالغيب ، وقد بيناه في موضعه .

                                                                                                                                                                                                              وروى أشهب عن مالك قال : بلغني أن تلك الحمامة أتت فوقفت قريبا من داود ، وهي من ذهب ، فلما رآها أعجبته ، فقام ليأخذها ، ففرت من يده ، ثم صنع مثل ذلك مرتين ، ثم طارت فأتبعها بصره ، فوقعت عينه على تلك المرأة وهي تغتسل ، ولها شعر طويل ، فبلغني أنه أقام أربعين ليلة ساجدا حتى نبت العشب من دموع عينيه ، فأما النظرة الثانية فلا أصل لها .

                                                                                                                                                                                                              وقد روي عن علي أنه قال : لا يبلغني عن أحد أنه يقول : إن داود عليه السلام ارتكب من تلك المرأة محرما إلا جلدته مائة وستين سوطا ، فإنه يضاعف له الحد حرمة للنبي صلى الله عليه وسلم ; وهذا مما لا يصح عنه .

                                                                                                                                                                                                              فإن قيل : فما حكمه عندكم ؟ قلنا : أما من قال إن نبيا زنى فإنه يقتل . وأما من نسب إليه دون ذلك من النظرة والملامسة فقد اختلف نقل الناس في ذلك ، فإن صمم أحد على ذلك فيه ونسبه إليه فإنه يناقض التعزير المأمور به .

                                                                                                                                                                                                              وأما قولهم : إنه نوى إن مات زوجها أن يتزوجها فلا شيء فيه ; إذا لم يعرضه للموت ، وبعد هذا فإن الذنب الذي أخبر الله عنه هو سؤاله زوجة وعدم القناعة بما كان من عدد النساء عنده ; والشهوة لا آخر لها ، والأمل لا غاية له ; فإن متاع الدنيا لا يكفي الإنسان وحده في ظنه ، ويكفيه الأقل منه ; والذي عتب الله فيه على داود تعلق باله إلى زوج غيره ، ومد عينه إلى متاع سواه حسبما نص الله عنه .

                                                                                                                                                                                                              وقد قال بعضهم : إنه خطب على خطبة أوريا فمال إليها ، ولم يكن بذلك عارفا ، وهذا باطل يرده القرآن والآثار التفسيرية كلها .

                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية