الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                        [ ص: 77 ] قال : ( وما سوى ذلك من الحقوق يقبل بها شهادة رجلين أو رجل وامرأتين سواء كان الحق مالا أو غير مال ) مثل : النكاح ، والطلاق ، والعتاق ، والعدة ، والحوالة ، والوقف والصلح ( والوكالة والوصية ) ، والهبة ، والإقرار ، والإبراء ، والولد ، والولاد ، والنسب ونحو ذلك . وقال الشافعي : لا تقبل شهادة النساء مع الرجال إلا في الأموال وتوابعها ; لأن الأصل فيها عدم القبول لنقصان العقل واختلال الضبط وقصور الولاية فإنها لا تصلح للإمارة ولهذا لا تقبل في الحدود ، ولا تقبل شهادة الأربع منهن وحدهن إلا أنها قبلت في الأموال ضرورة والنكاح أعظم خطرا وأقل وقوعا فلا يلحق بما هو أدنى خطرا وأكثر وجودا . ولنا أن الأصل فيها القبول لوجود ما يبتنى عليه أهلية الشهادة ، وهو المشاهدة والضبط والأداء إذ بالأول يحصل العلم للشاهد وبالثاني يبقى وبالثالث يحصل العلم للقاضي ، ولهذا يقبل إخبارها في الأخبار ، ونقصان الضبط بزيادة النسيان انجبر بضم الأخرى إليها فلم يبق بعد ذلك إلا الشبهة ، فلهذا لا تقبل فيما يندرئ بالشبهات وهذه الحقوق تثبت مع الشبهات وعدم قبول الأربع على خلاف القياس كي لا يكثر خروجهن .

                                                                                                        قال : ( وتقبل في الولادة والبكارة والعيوب بالنساء في موضع لا يطلع عليه الرجال شهادة امرأة واحدة ) لقوله عليه الصلاة والسلام : { شهادة النساء جائزة فيما لا يستطيع الرجال النظر إليه }والجمع المحلى بالألف واللام يراد به الجنس فيتناول الأقل ، وهو حجة على الشافعي رحمه الله في اشتراط الأربع ولأنه إنما سقطت الذكورة ليخف النظر لأن نظر الجنس إلى الجنس أخف فكذا يسقط اعتبار العدد إلا أن المثنى والثلاث أحوط لما فيه من معنى الإلزام ( ثم حكمها في الولادة شرحناه في الطلاق ) . [ ص: 78 ] وأما حكم البكارة فإن شهدن أنها بكر يؤجل في العنين سنة ويفرق بعدها لأنها تأيدت بمؤيد إذ البكارة أصل ، وكذا في رد المبيعة إذا اشتراها بشرط البكارة ، فإن قلن إنها ثيب يحلف البائع لينضم نكوله إلى قولهن والعيب يثبت بقولهن فيحلف البائع ، وأما شهادتهن على استهلال الصبي لا تقبل عند أبي حنيفة رحمه الله في حق الإرث ; لأنه مما يطلع عليه الرجال إلا في حق الصلاة لأنها من أمور الدين . وعندهما تقبل في حق الإرث أيضا ; لأنه صوت عند الولادة ولا يحضرها الرجال عادة فصار كشهادتهن على نفس الولادة .

                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                        الحديث الخامس : قال عليه السلام : { شهادة النساء جائزة ، فيما لا يستطيع الرجال النظر إليه }قلت : غريب ; وروى عبد الرزاق في مصنفه " أخبرنا الحسن بن جريج عن ابن شهاب الزهري ، قال : { مضت السنة أن تجوز شهادة النساء ، فيما لا يطلع عليه غيرهن ، من ولادات النساء ، وعيوبهن }انتهى .

                                                                                                        ورواه ابن أبي شيبة ، وقد تقدم في " باب [ ص: 78 ] النسب " وروى عبد الرزاق أيضا أخبرنا أبو بكر بن أبي سبرة عن موسى بن عقبة عن القعقاع بن حكيم عن ابن عمر ، قال : لا تجوز شهادة النساء وحدهن إلا على ما لا يطلع عليه إلا هن من عورات النساء ، وما يشبه ذلك ، من حملهن وحيضهن ، قال عبد الرزاق : وأخبرنا ابن جريج أنبأ أبو بكر بن عمرو بن سليم مولاهم حدثهم عن ابن المسيب ، مثل حديث ابن عمر هذا ، قال : وحدثني عن أبي النضر عن عروة بن الزبير مثل هذا .

                                                                                                        وعن محمد بن عمرو عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة مثله ، انتهى .

                                                                                                        والمصنف استدل بهذا الحديث على أنه تقبل في الولادة ، والبكارة ، وما لا يطلع عليه الرجال ، شهادة امرأة واحدة ، قال : لأن النساء جمع محلى بالألف واللام ، فيتناول الأقل ، والشافعي يشترط أربعا ، ومذهب أحمد كمذهبنا ، ولنا حديث القابلة ، وفيه عن علي وعمر ، فحديث علي رواه عبد الرزاق في " مصنفه " أخبرنا الثوري عن جابر الجعفي عن عبيد الله بن يحيى أن عليا أجاز شهادة المرأة القابلة وحدها في الاستهلال انتهى .

                                                                                                        وهذا سند ضعيف ، فإن الجعفي ، وابن يحيى فيهما مقال . [ ص: 79 ] طريق آخر : أخرجه الدارقطني في " سننه في كتاب الأقضية " عن محمد بن عبد الملك الواسطي ، عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم { أجاز شهادة القابلة }انتهى . قال الدارقطني : محمد بن عبد الملك لم يسمع من الأعمش ، بينهما رجل مجهول ، وهو أبو عبد الرحمن المدائني ، ثم أخرجه عن محمد بن عبد الملك عن أبي عبد الرحمن المدائني عن الأعمش به ، قال في " التنقيح " : هو حديث باطل لا أصل له ، انتهى .

                                                                                                        وأسند البيهقي في " المعرفة " إلى الشافعي ، قال : جرت بيني ، وبين محمد بن الحسن مناظرة عند هارون الرشيد ، فقلت له : أي شيء أخذت في شهادة القابلة وحدها ، قال : بقول علي بن أبي طالب ، فقلت له : إنما رواه عن علي رجل مجهول يقال له : عبد الله بن يحيى ، والذي رواه عن ابن يحيى جابر الجعفي ، وكان يؤمن بالرجعة ، قال البيهقي : ورواه سويد بن عبد العزيز بن غيلان بن جامع عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه عن علي ، وسويد هذا ضعيف ، وروى محمد بن عبد الملك الواسطي عن أبي عبد الرحمن المدائني عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة { أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة القابلة } ، وهذا لا يصح ، قال أبو الحسن الدارقطني ، فيما أخبرني أبو عبد الرحمن السلمي عنه : أبو عبد الرحمن المدائني مجهول ، وقال إسحاق بن راهويه : لو صح حديث علي في القابلة لقلنا به ، ولكن في سنده خلل انتهى .

                                                                                                        وأما حديث عمر : فرواه عبد الرزاق في " مصنفه أخبرنا إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي أخبرني إسحاق عن ابن شهاب أن عمر بن الخطاب أجاز شهادة امرأة في الاستهلال انتهى .




                                                                                                        الخدمات العلمية