الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                              ذكر وجوب قبول البينة بعد اليمين

                                                                                                                                                                              اختلف أهل العلم في الرجل يقدم خصمه إلى الحاكم فيدعي عليه مالا وينكر خصمه ذلك فيقول المدعي : لي بينة غيب أو حضور ، ولا يمكنني إحضارهم ، وسأل استحلاف خصمه فاستحلفه له الحاكم ثم أتى بالبينة بعد ذلك فكان شريح والنخعي يقولان : تقبل البينة ، وقال شريح: البينة أحق من اليمين الفاجرة ، وبه قال مالك بن أنس ، [ ص: 40 ] والليث بن سعد ، وسفيان الثوري، والشافعي، وأحمد ، وإسحاق ، والنعمان، ويعقوب ، وفيه قول ثان ، وهو أن البينة لا تقبل بعد يمين المدعى عليه ، هذا قول ابن أبي ليلى ، وأبي عبيد، واحتج لقول ابن أبي ليلى هذا بعض الناس فقال : لما حكم النبي صلى الله عليه وسلم بالبينة على المدعي واليمين على المنكر فلما كان المدعي لا يستحق المال بدعواه كان المنكر كذلك لا يبرأ من حق المدعي بجحوده ، فإذا أقام المدعي البينة صح قوله وأخذ المال وإذا حلف المدعى عليه برأ نفسه وإذا برأ فلا سبيل إليه ، ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي حيث قال له : إنه ليس يبالي ما حلف عليه : "ليس لك إلا ذلك " ولم يقل استحلفه وأنت على حجتك ، وقد أجمعوا أن البينة تقبل قبل يمين المدعى عليه ، واختلفوا في وجوب قبولها بعد استحلاف الحاكم المدعى عليه ولا يجوز قبولها بعد ذلك إلا بحجة ، ومن حجة غيره أن رجلا لو ادعى على رجل أنه غصبه ابنه واستحلفه ، ثم أقام البينة أن قبول ذلك يجب بعد اليمين ولا فرق بين هذا وبين سائر الحقوق .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : وقد يجوز أن يفرق مفرق بينهما فيقول : إنما قبلت البينة في هذا ؛ لأن للولد حقا في نفسه وليست السلع كذلك .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : ولو قال الطالب للمطلوب : احلف وأنت بريء من المال فحلفه ثم أتى بالبينة وجب قبولها . [ ص: 41 ]

                                                                                                                                                                              واختلفوا في قول المدعي : لا بينة لي . ثم يأتي بالبينة فكان النعمان يقول : أقبل بينته . وحكي عن ابن الحسن أنه قال : لا أقبلها . وقال أبو عبيد : ما بال البينة توجب واليمين لا يبرئ منه . هذا حكم يتضاد يختلف ثم أعجب من ذلك أنهم جعلوا لنا اليمين إقرارا ولم يجعلوا أداءها براءة .

                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية