الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                              السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

                                                                                                                              صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                              4214 باب: ما جاء في تأويل الرؤيا

                                                                                                                              وذكره النووي في: (كتاب الرؤيا).

                                                                                                                              (حديث الباب)

                                                                                                                              وهو بصحيح مسلم \ النووي، ص 28، 29 جـ 15، المطبعة المصرية

                                                                                                                              [عن ابن شهاب أن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أخبره، أن ابن عباس كان يحدث، أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أرى الليلة في المنام ظلة تنطف السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون منها بأيديهم، فالمستكثر والمستقل، وأرى سببا واصلا، من السماء إلى الأرض، فأراك أخذت به فعلوت، ثم أخذ به رجل من بعدك فعلا، ثم أخذ به رجل آخر فعلا، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع به، ثم وصل له فعلا.

                                                                                                                              قال أبو بكر: يا رسول الله بأبي أنت، والله لتدعني فلأعبرنها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اعبرها" قال أبو بكر: أما الظلة فظلة الإسلام، وأما الذي ينطف من السمن والعسل فالقرآن حلاوته [ ص: 476 ] ولينه، وأما ما يتكفف الناس من ذلك فالمستكثر من القرآن والمستقل، وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه، تأخذ به فيعليك الله به، ثم يأخذ به رجل من بعدك فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر فينقطع به ثم يوصل له فيعلو به، فأخبرني يا رسول الله بأبي أنت، أصبت أم أخطأت؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أصبت بعضا وأخطأت بعضا" قال: فوالله يا رسول الله لتحدثني ما الذي أخطأت؟ قال "لا تقسم".


                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              (الشرح)

                                                                                                                              (عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن ابن عباس) رضي الله عنهما (كان يحدث: أن رجلا) قال في الفتح: لم أقف على اسمه.

                                                                                                                              (أتى النبي صلى الله عليه) وآله (وسلم) وفي رواية أخرى: (قال: جاء رجل إلى النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، منصرفه من أحد، فقال: يا رسول الله! إني أرى الليلة) قال ثعلب وغيره: يقال: "رأيت الليلة": من الصباح إلى زوال الشمس. ومن الزوال إلى الليل: "رأيت البارحة".

                                                                                                                              [ ص: 477 ] (في المنام ظلة): بضم الظاء وتشديد اللام: سحابة؛ لأنها تظل ما تحتها. وزاد الدارمي، وابن ماجه: "ما بين السماء والأرض".

                                                                                                                              قال النووي: "الظلة، هي السحابة".

                                                                                                                              "تنطف": بضم الطاء وكسرها، أي: تقطر قليلا قليلا (السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون منها) أي: يأخذون (بأيديهم) أي: بأكفهم. (فالمستكثر) أي: فمنهم المستكثر في الأخذ (والمستقل) فيه.

                                                                                                                              (وأرى سببا) "السبب": الحبل (واصلا) "الواصل": بمعنى الموصول (من السماء إلى الأرض، فأراك أخذت به، فعلوت): وفي لفظ آخر: "فأعلاك الله).

                                                                                                                              (ثم أخذ به رجل من بعدك)، أي: بالسبب، (فعلا. ثم أخذ به رجل آخر، فعلا. ثم أخذ به رجل آخر، فانقطع به، ثم وصل له، فعلا. قال أبو بكر) الصديق، رضي الله عنه: (يا رسول الله! بأبي أنت!) مفدي (والله! لتدعني) بفتح اللام للتأكيد، وكسر النون المشددة. أي: لتتركني (فلأعبرنها) وكان من أعبر الناس للرؤيا، بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. (قال رسول الله، صلى الله عليه) وآله (وسلم: "اعبرها". قال أبو بكر: أما الظلة، فظلة الإسلام) لأن الظلة، نعمة من نعم الله، على أهل الجنة. وكذلك كانت على بني إسرائيل. وكذلك كان صلى الله عليه وآله وسلم: تظله الغمامة قبل نبوته. وكذلك الإسلام يقي الأذى، وينعم به المؤمن، في الدنيا والآخرة.

                                                                                                                              (وأما الذي ينطف من السمن [ ص: 478 ] والعسل: فالقرآن; حلاوته ولينه) قال تعالى في العسل: فيه شفاء للناس وقال في القرآن: وشفاء لما في الصدور ولا ريب أن تلاوة القرآن: تحلو في الأسماع، كحلاوة العسل في المذاق، بل أحلى منه وألين.

                                                                                                                              (وأما ما يتكفف الناس من ذلك: فالمستكثر من القرآن، والمستقل منه. وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض: فالحق الذي أنت عليه. تأخذ به، فيعليك الله به) أي: يرفعك به (ثم يأخذ به رجل من بعدك، فيعلو به) فسر بالصديق رضي الله عنه؛ لأنه يقوم بالحق بعده، صلى الله عليه وآله وسلم، في أمته.

                                                                                                                              (ثم يأخذ به رجل آخر، فيعلو به) هو عمر بن الخطاب، رضي الله عنه (ثم يأخذ به رجل آخر، فينقطع به) هو عثمان بن عفان، رضي الله عنه (ثم يوصل له، فيعلو به) يعني: عثمان، كاد ينقطع عن اللحاق بصاحبيه، بسبب ما وقع له من تلك القضايا، التي أنكروها. فعبر عنها: بانقطاع الحبل، ثم وقعت له الشهادة: فاتصل (فالتحق بهم).

                                                                                                                              (فأخبرني): بكسر الباء، وسكون الراء (يا رسول الله! بأبي أنت وأمي! أصبت أم أخطأت؟ قال رسول الله، صلى الله عليه) وآله [ ص: 479 ] (وسلم: "أصبت بعضا، وأخطأت بعضا").

                                                                                                                              قيل: خطأه في التعبير؛ لكونه عبر بحضوره، صلى الله عليه وآله وسلم؛ إذ كان صلى الله عليه وآله وسلم أحق بتعبيرها.

                                                                                                                              وقيل: أخطأ بمبادرته تعبيرها، قبل أن يأمره به. قاله ابن قتيبة. وتعقب بأنه: أذن له في ذلك، وقال: "اعبرها" وأجيب بأنه: لم يأذن له ابتداء، بل بادر هو بالسؤال: أن يأذن له في تعبيرها; فأذن له. لكن في إطلاق الخطأ على ذلك: نظر. والظاهر: أنه أراد الخطأ في التعبير، لا لكونه التمس التعبير.

                                                                                                                              قال ابن هبيرة: إنما أخطأ؛ لكونه أقسم ليعبرنها بحضرته، ولو كان أخطأ في التعبير لم يقره عليه.

                                                                                                                              وقيل: أخطأ؛ لكونه عبر السمن والعسل: بالقرآن فقط. وهما شيئان. وكان من حقه: أن يعبرهما بالقرآن والسنة؛ لأنها بيان للكتاب المنزل عليه، وبهما تتم الأحكام، كتمام اللذة بهما. وإلى هذا أشار الطحاوي.

                                                                                                                              وقيل: وجه الخطأ، أن الصواب في التعبير: أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم; هو الظلة. والعسل: القرآن. والسمن: السنة.

                                                                                                                              وقيل: يحتمل أن يكون السمن والعسل: العلم، والعمل. وقيل: الفهم، والحفظ.

                                                                                                                              [ ص: 480 ] وتعقب ذلك في المصابيح، فقال: لا يكاد ينقضي العجب من هؤلاء، الذين تعرضوا إلى تبيين الخطأ في هذه الواقعة، مع سكوت النبي صلى الله عليه وآله وسلم: عن ذلك، وامتناعه منه، بعد سؤال أبي بكر له في ذلك، حيث (قال: فوالله! يا رسول الله! لتحدثني، ما الذي أخطأت؟ قال: "لا تقسم") فكيف لا يسع هؤلاء من السكوت ما وسع النبي، صلى الله عليه وآله وسلم؟! وماذا يترتب على ذلك من الفائدة؟! فالسكوت عن ذلك هو المتعين. انتهى.

                                                                                                                              قلت: وقد سبق ذهني إلى هذا القول قبل أن أقف على هذا الكلام. ولله الحمد.

                                                                                                                              وحكى ابن العربي: أن بعضهم سئل عن بيان الوجه الذي أخطأ فيه أبو بكر، فقال: من الذي يعرفه؟ ولئن كان تقدم أبي بكر بين يدي النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، للتعبير: "خطأ" فالتقدم بين يدي أبي بكر، لتعيين خطئه: أعظم، وأعظم. فالذي يقتضيه الدين: الكف عن ذلك.

                                                                                                                              وأجاب في (الكواكب: بأنهم إنما أقدموا على تبيين ذلك، مع أنه صلى الله عليه وآله وسلم، لم يبينه؛ لأن هذه الاحتمالات لا جزم فيها. أو لأنه كان يلزم في بيانه مفاسد للناس، واليوم زال ذلك. انتهى.

                                                                                                                              وهذا الجواب من الضعف بمكان لا يخفى. والصواب ما تقدم.

                                                                                                                              قال الحافظ ابن حجر "أثابه الله تعالى": جميع ما ذكر من لفظ الخطأ ونحوه، إنما أحكيه عن قائليه. ولست راضيا بإطلاقه في حق [ ص: 481 ] الصديق، رضي الله عنه. انتهى.

                                                                                                                              قال النووي: هذا الحديث، دليل لما قاله العلماء: إن إبرار القسم المأمور به في الأحاديث الصحيحة، إنما هو إذا لم تكن في الإبرار مفسدة، ولا مشقة ظاهرة. فإن كان لم يؤمر بالإبرار؛ لأن النبي، صلى الله عليه وآله وسلم: لم يبر قسم أبي بكر، رضي الله عنه: لما رأى في إبراره من المفسدة. قال: ولعل المفسدة: ما علمه من سبب انقطاع السبب مع عثمان; وهو قتله، وتلك الحروب والفتن المرتبة عليه، فكره ذكرها؛ مخافة من شيوعها. أو أن المفسدة: لو أنكر عليه مبادرته، ووبخه بين الناس. أو أنه أخطأ في ترك تعيين الرجال، الذين يأخذون بالسبب، بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وكان في بيانه "صلى الله عليه وآله وسلم" أعيانهم: مفسدة.

                                                                                                                              قال : وفي هذا الحديث: بيان جواز تعبير الرؤيا، وأن عابرها قد يصيب وقد يخطئ، وأن الرؤيا: ليست لأول عابر، على الإطلاق. وإنما ذلك إذا أصاب وجهها.

                                                                                                                              وفيه: أنه لا يستحب إبرار القسم إذا كان فيه مفسدة، أو مشقة ظاهرة.

                                                                                                                              [ ص: 482 ] قال عياض: وفيه: أن من أقسم، لا كفارة عليه؛ لأن أبا بكر: لم يزد على قوله: "أقسم". قال النووي: وهذا الذي قاله القاضي عجب; فإن الذي في جميع نسخ صحيح مسلم: أنه قال: "فوالله" وهذا صريح يمين. وليس فيها: "أقسم".

                                                                                                                              قال عياض: قيل لمالك: أيعبر الرجل الرؤيا على الخير، وهي عنده على الشر؟ فقال: معاذ الله! أبالنبوة يتلقب؟! هي من أجزاء النبوة.




                                                                                                                              الخدمات العلمية