الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                              السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

                                                                                                                              صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                              4232 باب: مثل ما بعث به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الهدى والعلم

                                                                                                                              ومثله في: (النووي).

                                                                                                                              [ ص: 491 ] (حديث الباب)

                                                                                                                              وهو بصحيح مسلم \ النووي، ص4645 ج15، المطبعة المصرية

                                                                                                                              [عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن مثل ما بعثني الله به عز وجل من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا، فكانت منها طائفة طيبة، قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا منها وسقوا ورعوا، وأصاب طائفة منها أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه بما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به"].

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              (الشرح)

                                                                                                                              (عن أبي موسى الأشعري) رضي الله عنه; (عن النبي صلى الله عليه) وآله (وسلم; قال: إن مثل ما بعثني الله به: من الهدى والعلم; كمثل غيث): هو المطر. (أصاب أرضا، فكانت منها طائفة طيبة، قبلت الماء).

                                                                                                                              [ ص: 492 ] وفي البخاري: "فكان منها نقية" بنون مفتوحة، ثم قاف مكسورة، ثم ياء مشددة. وهو بمعنى: "طيبة". هذا هو المشهور في روايات البخاري. ورواه الخطابي وغيره: "ثغبة" بالثاء، والغين، والموحدة. وهو: مستنقع الماء، في الجبال والصخور. وهو "الثغب" أيضا. وجمعه: "ثغبان".

                                                                                                                              قال عياض، وصاحب المطالع: هذه الرواية غلط من الناقلين، وتصحيف، وإحالة للمعنى؛ لأنه إنما جعلت هذه الطائفة الأولى: مثلا لما ينبت. والثغبة لا تنبت.

                                                                                                                              (فأنبتت الكلأ والعشب الكثير) العشب، والكلأ، والحشيش: كلها أسماء للنبات. لكن الحشيش مختص باليابس. والعشب والكلا مقصورا: مختصان بالرطب. "والكلأ، بالهمز: يقع على اليابس، والرطب. وقال الخطابي، وابن فارس: "الكلأ" يقع على اليابس. قال النووي: وهذا شاذ ضعيف.

                                                                                                                              (وكان منها أجادب) بالجيم والدال المهملة. وهي: الأرض التي [ ص: 493 ] لا تنبت كلأ. وقال الخطابي: هي الأرض التي تمسك الماء، فلا يسرع فيها النضوب.

                                                                                                                              قال ابن بطال، وصاحب المطالع، وآخرون: هو جمع "جدب" على غير قياس. كما قالوا في "حسن" جمعه: "محاسن". والقياس: أن "محاسن" جمع: "محسن". وكذا قالوا: "مشابه" جمع: "شبه". وقياسه: أن يكون جمع: "مشبه".

                                                                                                                              وقال بعضهم: "أحادب" بالحاء المهملة. قال الخطابي: وليس بشيء.

                                                                                                                              وقال بعضهم: "أجارد": بالجيم، والراء، والدال. قال: وهو صحيح المعنى، إن ساعدته الرواية. قال الأصمعي: "الأجارد من الأرض": ما لا ينبت الكلأ. أي: أنها جرداء، هزرة، لا يسترها النبات.

                                                                                                                              وقال بعضهم: هي "أخاذات" بالخاء والذال المعجمتين، وبالألف. وهو: جمع "أخاذة". وهي: الغدير، الذي يمسك الماء.

                                                                                                                              وجعل صاحب "المطالع" هذه الأوجه: روايات منقولة. قال عياض: لم يرد هذا الحرف في مسلم، ولا في غيره: إلا بالدال المهملة. من "الجدب" الذي هو ضد الخصب. قال: وعليه: [ ص: 494 ] شرح الشارحون.

                                                                                                                              (أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا منها وسقوا). قال أهل اللغة: سقى، وأسقى; بمعنى. لغتان. وقيل: "سقاه": ناوله ليشرب، "وأسقاه": جعل له سقيا.

                                                                                                                              (ورعوا) بالراء. من الرعي. هكذا هو في جميع نسخ صحيح مسلم. ووقع في البخاري: "وزرعوا". قال النووي: وكلاهما صحيح.

                                                                                                                              (وأصاب طائفة منها أخرى، إنما هي قيعان: لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ). "القيعان" بكسر القاف: جمع "القاع" وهو الأرض المستوية. وقيل: الملساء.

                                                                                                                              وقيل: التي لا نبات فيها. وهذا هو المراد في هذا الحديث; كما صرح به، صلى الله عليه وآله وسلم. ويجمع أيضا على: أقوع وأقواع.

                                                                                                                              "والقيعة" بكسر القاف: بمعنى "القاع" قال الأصمعي: "قاعة الدار": ساحتها. وجاء القرآن "بالقاع" في قوله تعالى: قاعا صفصفا "وبالقيعة" في قوله: بقيعة يحسبه الظمآن ماء .

                                                                                                                              (فذلك مثل من فقه في دين الله) "الفقه" في اللغة: هو "الفهم". يقال منه: فقه بكسر القاف: "يفقه فقها" بفتحها. كفرح [ ص: 495 ] يفرح فرحا. وقيل: المصدر: "فقها" بإسكان القاف.

                                                                                                                              وأما الفقه الشرعي; فقال صاحب العين، والهروي، وغيرهما: يقال منه: "فقه" بضم القاف.

                                                                                                                              وقال ابن دريد: بكسرها، كالأول. والمراد هنا: هذا الثاني. فيكون مضموم القاف: على المشهور، وبكسرها: على قول ابن دريد.

                                                                                                                              قال النووي: وقد روي بوجهين. والمشهور: الضم. انتهى.

                                                                                                                              "والفقه" في دين الله: هو الفهم لكتاب الله تعالى، وسنة رسوله المطهرة; دون تعلم أبواب البيوع، والإجارة، والإعتاق، والنكاح، والطلاق، وما أشبه ذلك. وكان الفقيه في زمن سلف هذه الأمة: من اتصف بفهمهما. ثم جاء زمان، صار اسم الفقيه فيه مختصا: بمن يدرس في كتب الفروع، من المذاهب المروجة في عامة الناس. وبمن يجادل، ويكابر، ويخاصم من يخالفه: في الأصول، والفروع. وهذا ليس من الفقه في صدر ولا ورد. بل هو من الألفاظ القديمة، التي أبدلت إلى غير معانيها المقصودة منها في القرون المشهود لها بالخير. فليكن ذلك على ذكر منك.

                                                                                                                              (ونفعه الله بما بعثني الله به، فعلم وعلم) هذا يوضح المراد من لفظ "الفقه" المتقدم؛ لأن النبي، صلى الله عليه وآله وسلم [ ص: 496 ] بعثه الله بالسنة المنورة، التي ليلها كنهارها، المدونة في كتب علم الحديث: من الأمهات الستة وغيرها. وهي مثل القرآن، بل أكثر. ولم يبعثه الله سبحانه وتعالى بهذا الرأي المذموم، والخوض المشؤوم، والجدل المرجوم، التي ليست عليها: أثارة من علم، فافهم تفقه. وفي هذا: إشارة إلى فضل التعلم والتعليم.

                                                                                                                              (ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله، الذي أرسلت به) وهو كتاب الله العزيز، وسنة رسوله المطهرة، بدليل قوله تعالى: ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "خير الحديث: كتاب الله، وخير الهدي: هدي محمد، صلى الله عليه وآله وسلم". فتحصل من ذلك أن: "الهدى": عبارة عن القرآن والحديث. ومن لم يرفع بهما رأسا فمثله: مثل من ذكر في هذا الحديث.

                                                                                                                              قال النووي: معنى الحديث ومقصوده: تمثيل الهدى الذي جاء به، صلى الله عليه وآله وسلم: "بالغيث". ومعناه: أن الأرض ثلاثة أنواع. وكذلك الناس:

                                                                                                                              فالنوع الأول من الأرض، ينتفع بالمطر: فيحيا بعد أن كان ميتا، وينبت الكلأ; فينتفع به الناس، والدواب، والزرع، وغيرها. وكذا النوع الأول من الناس; يبلغه الهدى والعلم: فيحفظه فيحيا قلبه، [ ص: 497 ] ويعمل به، ويعلمه غيره، فينتفع وينفع.

                                                                                                                              والنوع الثاني من الأرض: ما لا تقبل الانتفاع في نفسها، لكن فيها فائدة، وهي إمساك الماء لغيرها، فينتفع بها الناس والدواب. وكذا النوع الثاني من الناس; لهم قلوب حافظة، لكن ليست لهم أفهام ثاقبة، ولا رسوخ لهم في العقل: يستنبطون به المعاني والأحكام. وليس عندهم اجتهاد في الطاعة والعمل به. فهم يحفظونه حتى يأتي طالب، محتاج متعطش لما عندهم من العلم، أهل للنفع والانتفاع، فيأخذه منهم: فينتفع به. فهؤلاء نفعوا بما بلغهم.

                                                                                                                              والنوع الثالث من الأرض: السباخ التي لا تنبت، ونحوها. فهي لا تنتفع بالماء، ولا تمسكه لينتفع به غيرها. وكذلك النوع الثالث من الناس; ليست لهم قلوب حافظة، ولا أفهام واعية، فإذا سمعوا العلم: لا ينتفعون به، ولا يحفظونه لنفع غيرهم. والله أعلم.

                                                                                                                              قال: وفي هذا الحديث أنواع من العلم; منها: ضرب الأمثال.

                                                                                                                              ومنها: فضل العلم والتعليم، وشدة الحث عليهما. وذم الإعراض عن العلم. انتهى. أي: علم الكتاب والسنة. بدليل قوله، صلى [ ص: 498 ] الله عليه وآله وسلم: "العلم ثلاثة: آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة. وما سوى ذلك، فهو فضل".




                                                                                                                              الخدمات العلمية