الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          ( البشارة الثالثة عشرة )

                          في الباب الثالث من إنجيل متى هكذا : ( 1 وفي تلك الأيام جاء يوحنا المعمدان يكرز في برية اليهود 2 قائلا : توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات ، وفي الباب الرابع في إنجيل متى هكذا : ( 12 ولما سمع يسوع أن يوحنا أسلم انصرف إلى الجليل . . . 17 من ذلك الزمن ابتدأ يسوع يكرز ويقول : توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات . . 23 وكان يسوع يطوف كل الجليل يعلم في مجامعهم و يكرز ببشارة الملكوت ) إلخ . وفي الباب السادس من إنجيل متى في بيان الصلاة التي علمها عيسى - عليه السلام - تلاميذه هكذا ( 10 - ليأت ملكوتك ) ولما أرسل الحواريين إلى البلاد الإسرائيلية للدعوة والوعظ ، وصاهم بوصايا منها هذه الوصية أيضا ( وفيما أنتم ذاهبون اكرزوا قائلين : إنه قد اقترب ملكوت السماوات ) كما هو مصرح به في الباب العاشر من إنجيل متى ، ووقع في الباب التاسع [ ص: 232 ] من إنجيل لوقا هكذا ( 1 ودعا تلاميذه الاثني عشر وأعطاهم قوة وسلطانا على جميع الشياطين وشفاء أمراض 2 وأرسلهم ليكرزوا بملكوت الله ويشفوا المرضى ) وفي الباب العاشر من إنجيل لوقا هكذا ( 1 وبعد ذلك عين الرب سبعين آخرين أيضا وأرسلهم ) إلخ . ( فقال لهم ) إلخ . ( 8 وأية مدينة دخلتموها وقبلوكم فكلوا مما يقدم لكم ( 9 ) واشفوا المرضى الذين فيها وقولوا لهم : قد اقترب منكم ملكوت الله ( 10 ) وأية مدينة دخلتموها ولم يقبلوكم فاخرجوا إلى شوارعها وقولوا ( 11 ) حتى الغبار الذي لصق بنا من مدينتكم ننفضه لكم ، ولكن اعلموا هذا أنه قد اقترب منكم ملكوت الله ) - فظهر أن كلا من يحيى وعيسى والحواريين والتلاميذ السبعين بشر بملكوت السماوات ، وبشر عيسى - عليه السلام - بالألفاظ التي بشر بها يحيى - عليه السلام - ، فعلم أن الملكوت كما لم يظهر في عهد يحيى - عليه السلام - ، فكذا لم يظهر في عهد عيسى - عليه السلام - ، ولا في عهد الحواريين والسبعين ، بل كل منهم مبشر به ، ومخبر عن فضله ومترج لمجيئه ، فلا يكون المراد بملكوت السماوات طريقة النجاة التي ظهرت بشريعة عيسى - عليه السلام - ، وإلا لما قال عيسى - عليه السلام - والحواريون والسبعون : إن ملكوت السماوات قد اقترب ، ولما علم التلاميذ أن يقولوا في الصلاة وليأت ملكوتك ؛ لأن هذه الطريقة قد ظهرت بشريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، فهؤلاء كانوا يبشرون بهذه الطريقة الجليلة ، ولفظ ملكوت السماوات بحسب الظاهر يدل على أن هذا الملكوت يكون في صورة السلطنة لا في صورة المسكنة ، وأن المحاربة والجدال فيه مع المخالفين يكونان لأجله ، وأن مبنى قوانينه لا بد أن يكون كتابا سماويا ، وكل من هذه الأمور يصدق على الشريعة المحمدية .

                          وقول علماء المسيحية : إن المراد بهذا الملكوت شيوع الملة المسيحية في جميع العالم ، وإحاطتها بكل الدنيا بعد نزول عيسى - عليه السلام - . فتأويل ضعيف خلاف الظاهر ، ويرده التمثيلات المنقولة عن عيسى - عليه السلام - في الباب الثالث عشر من إنجيل متى مثلا قال : ( 24 يشبه ملكوت السماوات إنسانا زرع زرعا جيدا في حقله . . . ) ثم قال : ( 31 يشبه ملكوت السماوات حبة خردل أخذها إنسان وزرعها في حقله . . . ) ثم قال : ( 33 يشبه ملكوت السماوات خميرة أخذتها امرأة وخبأتها في ثلاثة أكيال دقيق حتى اختمر الجميع ) فشبه ملكوت السماوات بإنسان زارع لا بنمو الزراعة وحصادها ، وكذلك شبهه بحبة خردل لا بصيرورتها شجرة عظيمة وشبهه بخميرة لا باختمار جميع الدقيق . وكذا يرد هذا التأويل قول عيسى - عليه السلام - بعد بيان التمثيل المنقول في البيان الحادي والعشرين من إنجيل متى هكذا ( 43 لذلك أقول لكم : إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة [ ص: 233 ] تعمل أثماره ) فإن هذا القول يدل على أن المراد بملكوت السماوات طريقة النجاة نفسها لا شيوعها في جميع العالم وإحاطتها بكل العالم ، وإلا لا معنى لنزع الشيوع والإحاطة من قوم وإعطائها لقوم آخرين ، فالحق أن المراد بهذا الملكوت هي المملكة التي أخبر عنها دانيال - عليه السلام - في الباب الثاني من كتابه ، فمصداق هذا الملكوت وتلك المملكة نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - والله أعلم وعلمه أتم .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية