الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          وأما الثاني أعني الشبهات التي توردها علماء بروتستنت فخمسة : ( الشبهة الأولى ) جاء في هذه العبارة تفسير الفارقليط بروح القدس ، وروح الحق ، وهما عباراتان عن الأقنوم الثالث ، فكيف يصح أن يراد بالفارقليط محمد - صلى الله عليه وسلم - ؟ أقول في الجواب : إن صاحب ميزان الحق يدعي في تأليفاته كون ألفاظ روح الله ، وروح القدس ، وروح الحق ، وروح الصدق ، وروح فم الله ، بمعنى واحد . قال في الفصل الأول من الباب الثاني من مفتاح الأسرار في الصفحة 53 من النسخة الفارسية المطبوعة سنة 1850 : إن لفظ روح الله ، ولفظ روح القدس في التوراة والإنجيل بمعنى واحد انتهى . فادعى أن هذين اللفظين يستعملان بمعنى واحد في العهدين - وقال في حل الإشكال ، في جواب كشف الأستار : من له إلمام ما بالتوراة والإنجيل فهو يعرف أن ألفاظ روح القدس وروح الحق وروح فم الله وغيرها بمعنى روح الله ، فلذلك ما رأيت إثباته ضروريا انتهى .

                          [ ص: 245 ] فإذا عرفت هذا القول فنحن نقطع النظر عن صحة ادعائه وعدم صحته هاهنا ، ونسلم ترادف هذه الألفاظ على زعمه ، لكنا ننكر أن استعمالها في كل موضع من مواضع العهدين بمعنى الأقنوم الثالث ، ونقول قولا مطابقا لقوله : من له شعور ما يكتب العهدين يعرف أن هذه الألفاظ تستعمل في غير الأقنوم الثالث كثيرا ، ففي الآية الرابعة عشرة من الباب السابع والثلاثين من كتاب حزقيال قول الله - تعالى - في خطاب ألوف من الناس الذين أحياهم بمعجزة حزقيال - عليه السلام - هكذا : ( فأجعل فيكم روحي ) ففي هذا القول روح الله بمعنى للنفس الناطقة الإنسانية لا بمعنى الأقنوم الثالث الذي هو عين الله على زعمهم - وفي الباب الرابع من الرسالة الأولى ليوحنا ترجمة عربية سنة 1760 هكذا ( 1 أيها الأحباء لا تصدقوا كل روح بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله ؟ ؛ لأن الأنبياء الكذبة كثيرون قد خرجوا إلى العالم 2 بهذا تعرفون روح الله : كل روح يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد فهو من الله 6 نحن من الله فمن يعرف الله يسمع لنا ، ومن ليس من الله لا يسمع لنا ، من هذا تعرف روح الحق وروح الضلال ( وهذه الجملة الواقعة في الآية الثانية ) بهذا تعرفون روح الله ( وفي التراجم العربية الأخر سنة 1821 وسنة 1831 وسنة 1844 هكذا ( بهذا يعرف روح الله ) وفي ترجمة سنة 1825 ( فإنكم تميزون روح الله ) ولفظ روح الله في الآية الثانية ، ولفظ روح في الآية السادسة بمعنى الواعظ الحق لا بمعنى الأقنوم الثالث ، ولذلك ترجم مترجم ترجمة أردو المطبوعة سنة 1845 لفظ كل روح بكل واعظ ، ولفظ الأرواح بالواعظين في الآية الأولى ، ولفظ روح في الآية الثانية بالواعظ من جانب الله . ولفظ روح الحق في الآية السادسة بالواعظ الصادق . وترجم لفظ روح الضلال بالواعظ المضل ، وليس المراد بروح الله ، وروح الحق الأقنوم الثالث الذي هو عين الله على زعمهم ، وهو ظاهر . فتفسير الفارقليط بروح القدس وروح القدس وروح الحق لا يضرنا ؛ لأنهما بمعنى الواعظ الحق ، كما أن لفظ روح الحق روح الله بهذا المعنى في الرسالة الأولى ليوحنا ، فيصح إطلاقهما على محمد - صلى الله عليه وسلم - بلا ريب .

                          ( الشبهة الثانية ) إن المخاطبين بضمير " كم " الحواريون ، فلا بد أن يظهر الفارقليط في عهدهم ، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - لم يظهر في عهدهم .

                          ( أقول ) : هذا أيضا ليس بشيء ؛ لأن منشأه أن الحاضرين وقت الخطاب لا بد أن يكونوا مرادين بضمير الخطاب ، وهو ليس بضروري في كل موضع . ألا ترى أن قول عيسى - عليه السلام - في الآية الرابعة والستين من الباب السادس والعشرين من إنجيل متى في خطاب رؤساء الكهنة والشيوخ والمجمع هكذا . ( وأيضا أقول لكم من الآن تبصرون ابن الإنسان جالسا عن يمين القوة وآتيا على سحاب السماء ) وهؤلاء المخاطبون قد ماتوا : [ ص: 246 ] ومضت على موتهم مدة هي أزيد من ألف وثمانمائة سنة ، وما رأوه آتيا على سحاب السماء ، فكما أن المراد بالمخاطبين هاهنا الموجودون من قومهم وقت نزوله من السماء ، فكذلك فيما نحن فيه ، المراد : الذين يوجدون وقت ظهور الفارقليط .

                          ( الشبهة الثالثة ) أنه وقع في حق الفارقليط أن العالم لا يراه ولا يعرفه وأنتم تعرفونه ، وهو لا يصدق على محمد - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأن الناس رأوه وعرفوه .

                          أقول : هذا أيضا ليس بشيء ، وهم أحوج الناس تأويلا في هذا القول بالنسبة إلينا ؛ لأن روح القدس عين الله عندهم ، والعالم يعرف الله أكثر من معرفة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، فلا بد أن نقول : إن المراد بالمعرفة المعرفة الحقيقية الكاملة . ففي صورة التأويل اشتباه في صدق هذا القول على محمد - صلى الله عليه وسلم - ، ويكون المقصود أن العالم لا يعرفه معرفة حقيقية كاملة . وأنتم تعرفونه معرفة حقيقية كاملة . والمراد بالرؤية المعرفة ، ولذا لم يعد عيسى - عليه السلام - لفظ الرؤية بعد لفظ أنتم ، بل قال : وأنتم تعرفونه ، ولو حملنا الرؤية على الرؤية البصرية يكون نفي الرؤية محمولا على ما هو المراد في قول الإنجيلي الأول في الباب الثالث عشر من إنجيله . وأنقل عبارته عن الترجمة العربية المطبوعة سنة 1816 وسنة 1825 ( 13 فلذلك أضرب لكم الأمثال ؛ لأنهم ينظرون ولا يبصرون ، ويسمعون ولا يستمعون ولا يفهمون 14 وقد كمل فيهم تنبؤ أشعيا حيث قال : إنكم تستمعون سمعا ولا تفهمون ، وتنظرون نظرا ولا تبصرون فلا إشكال أيضا .

                          وأمثال هذين الأمرين وإن كانت معاني مجازية لكنها بمنزلة الحقيقة العرفية ، ووقعت في كلام عيسى - عليه السلام - كثيرا ، ففي الآية السابعة والعشرين من الباب الحادي عشر من إنجيل متى هكذا ( وليس أحد يعرف الابن إلا الأب ، ولا أحد يعرف الأب إلا الابن ، ومن أراد الابن أن يعلن له ( وفي الآية الثامنة والعشرين من الباب السابع من إنجيل يوحنا هكذا ( الذي أرسلني حق الذي أنتم لستم تعرفونه ) وفي الباب الثامن من إنجيل يوحنا هكذا ( 19 لستم تعرفونني أنا ولا أبي لو عرفتموني لعرفتم أبي أيضا 55 ولستم تعرفونه أي الله إلخ ) . وفي الآية الخامسة والعشرين من الباب السابع عشر من إنجيل يوحنا هكذا ( أيها الأب إن العالم لم يعرفك ، أما أنا فعرفتك ) في الباب الرابع عشر من إنجيل يوحنا هكذا ( 7 لو كنتم قد عرفتموني لعرفتم أبي أيضا ، ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه 8 قال له فيلبس يا سيد أرنا الأب وكفانا 9 قال له يسوع : أنا معكم زمانا هذه مدته ، ولم تعرفني يا فيلبس الذي رآني فقد رأى الأب ، فكيف تقول أنت أرنا الأب ؟ ) فالمراد بالمعرفة في هذه الأقوال المعرفة الكاملة ، بالرؤية المعرفة . وإلا لا تصح هذه الأقوال يقينا : لأن العوام من الناس كانوا يعرفون [ ص: 247 ] عيسى - عليه السلام - فضلا عن رؤساء اليهود والكهنة والمشايخ والحواريين ، ورؤية الله بالبصر في هذا العالم ممتنعة عن أهل التثليث أيضا .

                          ( الشبهة الرابعة ) أنه وقع في حق الفارقليط ( أنه مقيم عندكم وثابت فيكم ) ويظهر من هذا القول أن الفارقليط كان في وقت الخطاب مقيما عند الحواريين وثابتا فيهم ، فكيف يصدق على محمد - صلى الله عليه وسلم - ! .

                          أقول : إن هذا القول في التراجم الأخرى هكذا ففي الترجمة العربية سنة 1816 وسنة 1825 ( لأنه مستقر معكم وسيكون فيكم ) والتراجم الفارسية المطبوعة سنة 1816 وسنة 1828 وسنة 1841 وترجمة أردو المطبوعة سنة 1814 وسنة 1839 كلها مطابقة لهاتين الترجمتين ، وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة 1860 هكذا : ( ماكث معكم ويكون فيكم ( فظهر أن المراد بقوله " ثابت فيكم " الثبوت الاستقبالي يقينا فلا اعتراض به بوجه من الوجوه وبقي قوله " مقيم عندكم " .

                          فأقول : لا يصح حمل هذا القول على معنى هو مقيم عندكم الآن ؛ لأنه لا ينافي قوله : ( أنا أطلب من الأب فيعطيكم فارقليط آخر ) وقوله ( قد قلت لكم قبل أن يكون حتى إذا كان تؤمنون . وقوله . إن لم أنطلق لم يأتكم الفارقليط ) وإذا أول نقول : إنه بمعنى الاستقبال كما أن القول الذي بعده بمعنى الاستقبال ، ومعناه : يكون مقيما عندكم في الاستقبال ، فلا خدشة في صدقه على محمد - صلى الله عليه وسلم - ، والتعبير عن الاستقبال بالحال بل بالماضي في الأمور المتيقنة كثير في العهدين - ألا ترى أن حزقيال - عليه السلام - أخبر أولا عن خروج يأجوج ومأجوج في الزمان المستقبل وإهلاكهم حين وصولهم إلى جبال إسرائيل . ثم قال في الآية الثامنة من الباب التاسع والثلاثين من كتابه هكذا ( ها هو جاء وصار يقول الرب الإله هذا هو اليوم الذي قلت عنه ) فانظروا إلى قوله ها هو جاء وصار - وهذا القول في الترجمة الفارسية المطبوعة سنة 1839 هكذا ( اينك رسيد وبوقوع بيوست ) فعبر عن الحال المستقبل بالماضي لكونه يقينا لا شك فيه ، وقد مضت مدة أزيد من ألفين وأربعمائة وخمسين سنة ، ولم يظهر خروجهم - وفي الآية الخامسة والعشرين من الباب الخامس من إنجيل يوحنا هكذا ( الحق أقول لكم أنه تأتي ساعة ، وهي الآن حين يسمع الأموات صوت ابن الله والسامعون يحيون ) فانظروا إلى قوله وهي الآن ، وقد مضت مدة أزيد من ألف وثمانمائة سنة ولم تجئ هذه الساعة ، وهي إلى الآن مجهولة لا يعرف أحد متى تجيء ! .

                          ( الشبهة الخامسة ) في الباب الأول من كتاب الأعمال هكذا ( 4 وفيما هو مجتمع معهم أوصاهم ألا يبرحوا من أورشليم بل ينتظروا موعد الأب الذي سمعتموه مني 5 لأن يوحنا [ ص: 248 ] عمد بالماء ، وأما أنتم فستتعمدون بالروح القدس ليس هذه الأحكام بكثير ) وهذا يدل على أن الفارقليط هو الروح النازل يوم الدار ؛ لأن المراد بوعد الأب هو الفارقليط .

                          أقول : الادعاء بأن المراد بموعد الأب هو الفارقليط ادعاء محض ، بل هو غلط لثلاثة عشر وجها ، وقد عرفتها ، بل الحق أن الأخبار عن الفارقليط شيء والوعد بإنزال الروح عليهم مرة أخرى شيء آخر . وقد وفى الله بالوعدين ، وقد عبر عن الوعد الأول بمجيء الفارقليط ، وهاهنا بموعد الأب ، غاية الأمر أن يوحنا نقل بشارة الفارقليط ، ولم ينقلها الإنجليون الباقون - ولوقا نقل موعد نزول الروح الذي نزل يوم الدار ، ولم يقله يوحنا . ولا بأس فيه فإنهم قد يتفقون في نقل الأقوال الخسيسة ، كركوب عيسى - عليه السلام - على الحمار وقت الذهاب إلى أورشليم ، اتفق على نقله الأربعة ، وقد يتخالفون في نقل الأحوال العظيمة ، ألا ترى أن لوقا انفرد بذكر إحياء ابن الأرملة من الأموات في نايين ، وبذكر إرسال عيسى - عليه السلام - سبعين تلميذا ، وبذكر إبراء عشرة برص ، ولم يذكر هذه الحالات أحد من الإنجيليين ، مع أنها من الحالات العظيمة ، وأن يوحنا انفرد بذكر وليمة العرس في قانا الجليل ، وظهر من يسوع في معجزة تحويل الماء خمرا ، وهذه المعجزة أول معجزاته ، وسبب ظهور مجده وإيمان التلاميذ به ، ويذكر إبراء السقيم في بيت صيدا في أورشليم ، وهذه أيضا معجزة عظيمة ، والمريض كان مريضا من ثمان وثلاثين سنة ، ويذكر قصة امرأة أخذت في زنا ، ويذكر إبراء الأكمه ، وهذا أيضا من أعظم معجزاته ، وهي مصرحة بهما في الباب التاسع وبذكر إحياء العازار من بين الأموات ، ولم يذكرها أحد من الإنجليين ، مع أنها حالات عظيمة ، وهكذا حال متى ومرقص ، فإنهما انفردا بذكر بعض المعجزات والحالات التي لم يذكرهما غيرهما ، وإذا طال البحث في هذا المسلك فلنقتصر على هذا القدر من البشارات التي نقلتها عن كتبهم المعتبرة عندهم في زماننا اهـ .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية