الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          ( والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات ) أي والكفار الذين كذبوا بآياتنا المنزلة وما أرشدنا إليه من آياتنا الدالة على وحدانيتنا وصدق ما جاء به رسولنا تكذيب جحود واستكبار ، أو تكذيب جمود على تقليد الآباء وطاعة الكبراء صم لا يسمعون دعوة الحق والهدى سماع فهم وقبول ، وبكم لا ينطقون بما عرفوا من الحق ، ولا يقرون بما يدعوهم إليه الرسول ، متسكعون أو حال كونهم متسكعين خابطين في تلك الظلمات الحالكة ظلمة الشرك والوثنية ، وظلمة تقاليد الجاهلية ، وظلمة كبرياء العصبية ، وظلمة الجهل والأمية ، ظلمات بعضها فوق بعض ، لا ينفذ منها إليهم من نور الهداية شيء ، فهم لا يبصرون صراطها ، ولا يرون منهاجها ، وذلك ما جنوه على أنفسهم بسوء اختيار الأفراد وفساد تربية المجموع ، ولكل سيرة غاية تنتهي إليها بحسب سنن الله التي قضت بها حكمته ، ونفذت بها مشيئته .

                          ( من يشأ الله يضلله ) أي من تعلقت مشيئة الله بإضلاله يضلله كما أضل هؤلاء الذين استحبوا العمى على الهدى ، فلم يستعملوا أسماعهم ولا أفواههم ولا عقولهم في آيات الله تعالى الدالة على حقية ما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما إضلاله إياهم اقتضاء سننه في عقول البشر وغرائزهم وأخلاقهم أن يعرض المستكبر عن دعوة من يراه دونه ، واتباع من يراه مثله ، وإن ظهر له أن الحق معه ، وأن يعرض المقلد عن النظر في الآيات والدلائل التي تنصب لبيان بطلان تقاليده وإثبات خلافها ، ما دام مغرورا بها مكبرا لمن جرى من الآباء والكبراء عليها ، وليس معنى ذلك أن يخلق الله تعالى الضلال لمن شاء إضلاله خلقا ويجعله له غريزة وطبعا ، ولا أن يلجئه إليه إلجاء ، ويكرهه عليه إكراها ، فيكون إعراضه عن الحق والخير وإقباله على الباطل والشر كحركة الدم في الجسد ، وعمل المعدة في الهضم ( ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ) أي ومن يشأ هدايته واستقامته يجعله على طريق مستقيم ، وهو طريق الحق الذي لا يضل سالكه ، ولا ينجو تاركه ، بأن يوفقه لاستعمال سمعه وبصره وعقله في آيات الله المنزلة وآياته المكونة ، استعمالا يعرف به الحق ويعترف [ ص: 337 ] به ، ويعرف به الخير ويعمل به بحسب سننه سبحانه وتعالى في الارتباط بين الأعمال البدنية والعقائد والوجدانات النفسية ، وليس معناه أن يخلق له الهداية خلقا كما خلق روحه وبدنه ، ولا أنه يجبره عليها فيلصق به كارها غير مختار ، وفي القرآن آيات كثيرة تدل على أن مشيئة الإضلال إنما تتعلق بأصحاب الأعمال الكسبية التي هي الضلال أو سبب الضلال ، ومشيئة الهداية تتعلق بما يقابل ذلك .

                          قال تعالى : ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يعقلون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون 7 : 179 ) وقال تعالى : ( ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء 14 : 27 ) وقال : ( وما يضل به إلا الفاسقين 2 : 26 ) كما قال : ( يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور 5 : 16 ) فالجمع بين الآيات هو الموافق لفطر البشر وعقولهم وإن خالف بعض نظريات المعتزلة والجبرية والأشعرية ، فليس الإنسان خالقا لأفعال نفسه ، مستقلا بها دون مشيئة خالقه وسننه في خلقه ، ولم يجعل الرب ما يصدر عن الناس من الإيمان والكفر والخير والشر من قبيل ما خلقه لهم من حركات دمائهم في أبدانهم وأعمال معدهم وأمعائهم ، ولا من قبيل حركات المرتعش منهم ، فلا نغلو في التنزيه والحكمة الإلهية غلوا نجعل به ضلال من ضل واقعا بغير مشيئة الله تعالى مقدر المقادير ، وواضع السنن الحكيمة في الخلق كله ، ولا نغلو في المشيئة فنجعلها منافية للحكمة والرحمة سالبة لما علم من فطرة الله بالضرورة .

                          وقد زعم بعض المعتزلة أن الآية في بيان ما يكون عليه الكافرون والمؤمنون في الآخرة ، كما قال في آية أخرى : ( ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما 17 : 97 ) قال : وإن المراد بالإضلال إضلالهم عن طريق الجنة جزاء لهم ، ويقابله جعل المتقين على صراط موصل إلى الجنة ، ويرد هذا التأويل ورود الآية في وصف حال المكذبين بآيات الله في سياق إقامة الحجج عليهم ، وليس فيها ذكر للآخرة ولا هي واردة في سياق الجزاء ، وإسناد الإضلال إلى الله تعالى لا يقتضي إخراجها عن ظاهرها ، فمثله في القرآن كثير .

                          ومن نكت البلاغة في الآية أن قوله تعالى : ( صم وبكم في الظلمات ) في معنى قوله تعالى في " سورة البقرة " : ( صم بكم عمي 2 : 18 ، 171 ) فلماذا سردت الصفات الثلاث [ ص: 338 ] في البقرة مفصولة ووصلت كلها بالعطف في آية الإسراء ( 17 : 97 ) التي ذكرت آنفا ، وعطف الثانية على الأولى هنا دون قوله : ( في الظلمات ) الذي هو في معنى الثالثة ؟ لم أر لأحد كلاما في الفرق بين هذه الآيات ، ولكن ذكر في " روح المعاني " أن العطف بين الصم والبكم لتلازمهما ، وتركه فيما بعدهما للإيماء إلى أنه كاف للإعراض عن الحق ، والذي يظهر لنا في المقابلة أن ترك العطف في آيتي البقرة لبيان أن هذه الصفات لاصقة بالموصوفين بها مجتمعة في آن واحد ، والأولى منهما في المختوم على قلوبهم الميئوس من إيمانهم من المنافقين وغيرهم ، والثانية في المقلدين الجامدين ، وكل منهما لا يستمع لدعوة الحق عند تلاوة القرآن وغيره ولا يسأل الرسول ولا غيره من المؤمنين عما يحوك في قلبه ويجول في ذهنه من الكفر والشك ، ولا ينطق بما عساه يعرف من الحق ، ولا يستدل بآيات الله المرئية في نفسه ولا في الآفاق ، فكأنه أصم أبكم أعمى في آن واحد ، وأما الآية التي نفسرها فهي في مشركي مكة ، ولم يكونوا كلهم من المختوم على قلوبهم الميئوس من إيمانهم ، ولا من المقلدين الجامدين الذين لا ينظرون في شيء من الآيات الإلهية المنزلة والمكونة ، بل كان منهم الجامد على التقليد والإعراض عن سماع القرآن حتى كأنه أصم ( وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا 31 : 7 ) ومنهم من يسمع ويعلم أنها الحق ، ولكنه لا ينطق بما يعلم عنادا ، فهذان فريقان منفصلان ، عطف أحدهما على الآخر لبيان هذا الانفصال . وقوله : ( في الظلمات ) إما حال منهما لبيان أن كلا منهما خابط في الظلمات المشتركة كظلمتي الشرك والجهل ، أو الخاصة بفريق دون آخر كظلمتي التقليد والكبر ، فبعض المقلدين غير مستكبرين وهم الفقراء ، وبعض المستكبرين غير جامدين على تقليد الآباء ، وإما صفة لبكم فيكون المكذبون المحكي عنهم قسمين كل منهما فريقان ( الأول ) الذين شبهوا بالصم ، وهم الذين لا يسمعون القرآن مطلقا استغناء عن هدايته بضلالهم ومشاغبة للداعي إليه ( وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون 41 : 26 ) والذين لا يسمعون سماع فهم وتأمل ، لتوهمهم عدم الحاجة إلى دين غير دين آبائهم ، أو لأن رؤساءهم ينهونهم ويصدونهم عنه ، ولم يوصف هؤلاء بأنهم في الظلمات - على هذا الوجه - لأن سماعهم مرجو وهدايتهم مأمولة عند زوال المانع . ( الثاني ) الذين شبهوا بالبكم وهم الذين عرفوا الحق واستيقنوا صدق الرسول بالآيات والدلائل ، ولكنهم يكتمونها أو يجحدون بها كبرا وعنادا لا تكذيبا له ولا إكذابا ، كما تقدم قريبا [ ص: 339 ] في الآية ( 39 ) ، والذين لم يعرفوا الحق ولم يسألوا ولم يبحثوا فهم كالبكم لعدم استفادتهم من الكلام . ووصف هذا الفريق من البكم - وهم الجاهلون - بأنهم في الظلمات لأنهم لا ينظرون في دلالة الآيات المرئية ، ووصف بذلك الفريق الأول أيضا - وهم المستكبرون ؛ لأنهم لا تؤثر في قلوبهم رؤية الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصفاته القدسية ، وقد كانت شمائله الشريفة المرضية وروحانيته التي هي أقوى من الكهربائية تؤثر في النفوس المستعدة فتجذبها إلى الإيمان من غير حاجة إلى إقامة حجة ولا تأليف برهان ، وقد كان يجيئه الأعرابي السليم الفطرة ممتحنا أو معاديا ، فإذا رآه آمن وقال : ما هذا وجه كذاب ، ودخل عليه رجل فأخذته رعدة شديدة من مهابته ، فقال له - صلى الله عليه وسلم - " هون عليك ؛ فإني لست بملك ولا جبار ، إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد بمكة " فنطق الرجل بحاجته . رواه الحاكم من حديث جابر ، وقال صحيح على شرط الشيخين .

                          ومن الشواهد المؤيدة لما ذكرنا من التقسيم قوله تعالى في " سورة يونس " : ( ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون 10 : 42 ، 43 ) وأما آية الإسراء فلا يظهر فيها هذا التقسيم ولا معنى ما دلت عليه آيتا البقرة من إرادة اجتماع تلك الصفات الثلاث الحائلة دون جميع طرق الهداية ، وإنما تفيد أن هذه العلل تعرض لهم في حالات وأوقات مختلفة من يوم الحشر والجزاء ، فيكونون عميا هائمين في الظلمات على وجوههم ( يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم 57 : 12 ) فلا يرون الطريق الموصل إلى الجنة عندما يساق أهلها إليها ويكونون بكما ( هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون 77 : 35 ، 36 ) وذلك في بعض مواقف القيامة وأحوالها ، ، ويكونون صما لا يسمعون شيئا يسرهم عندما يسمع المؤمنون المتقون بشرى المغفرة من ربهم . ويؤيد هذا التفسير مجموع ما ورد في الآيات والروايات من بيان حال الكفار في الآخرة ، وروي نحوه عن ابن عباس - رضي الله عنه - فظهر الفرق بينه وبين آيتي البقرة المراد بها اجتماع الصمم والبكم والعمى في حال واحدة ووقت واحد ، كأنها صفة واحدة ، ولو حصل بعضها دون بعض لما أفادت أنهم لا يؤمنون .

                          وتأمل كيف بدأ بذكر الصم في سياق الكلام عن دعوة الإسلام وبيان إعراضهم عن قبولها ، وبدأ بذكر العمى في سياق الكلام عن الحشر ، فيا لله العجب من دقائق بلاغة هذا القرآن التي أعجزت البشر ، وكلما غاص غائص في بحارها استفاد شيئا جديدا من فوائد الدرر ، فلا تنفد عجائب إعجاز مبانيه ، ولا تنتهي عجائب إعجاز معانيه .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية