الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الفصل الثالث : أنه يجب استيعاب محل الفرض لقوله تعالى : ( بوجوهكم وأيديكم ) ، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( فتمسح بها وجهك وكفيك ) .

وهذا يزيح ما لعله يتوهم في الباء من تبعيض ، فأما ما يشق إيصال التراب إليه كباطن الشعور الخفيفة والكثيفة ، فلا ؛ لما فيه من المشقة ، ولأن الواجب ضربة أو بعض ضربة للوجه ، وبذلك لا يصل التراب إلى أثناء الشعر .

ويجب عليه أن ينقل الصعيد إلى الوجه واليد فإن نسفته الريح بغير قصد العبادة على وجهه ويديه ، ثم نوى ومسح وجهه بما عليه ويديه بما عليهما ، لم يجزئه ، بخلاف مسح الرأس على إحدى الروايتين ؛ لأن الله تعالى أمره أن يقصد الصعيد ، وأن يمسح به ولم يأمره في الوضوء إلا بالمسح ، فإن نقل ما على الوجه إلى اليد أو بالعكس جاز لأنه تيمم الصعيد ومسح به ، وسواء نقله [ ص: 421 ] بيده أو بخرقة في أقوى الوجهين ، كما لو نقله غيره بإذنه ، فإن صمد للريح حتى نسفته كان نقلا في أقوى الوجهين لأنه بقصده انتقل .

ثم هل يجب عليه أن يمسحه بيده أو غيرها ؟ فيه وجهان :

أحدهما : يجب ، اختاره الشريف أبو جعفر وغيره لأنه أوصل الطهور إلى محله ، كما لو تمرغ في التراب كما فعل عمار .

والثاني : لا يجوز وهو أشبه بما رجحوه في الوضوء لأنه لا يسمى مسحا ، وكذلك لو وضع يده المغبرة على وجهه من غير إمرار ، أو ذرى التراب على وجهه ، وأما التمرغ فإنما يجزئ به في المشهور ؛ لأنه مسح إذ لا فرق بين إمرار محل التراب على الوجه أو إمرار الوجه على محل التراب ، ولو وضع يده على التراب فعلق بها من غير ضرب جاز .

والترتيب والموالاة واجبان في التيمم كالوضوء عند جماهير أصحابنا ، قال أحمد : يبدأ بالوجه ثم الكفين في التيمم ، ومنهم من قال : لا يجب هنا وإن أوجبناه في الوضوء ؛ لأن التيمم بضربة واحدة جائز ، وإذا مسح وجهه بباطن أصابعه لم يجب عليه أن يمسحه بعد وجهه ، بل لو مسح وجهه بجميع باطن يديه وبقي به غبار يكفي لظاهرهما لم يعد مسح الباطن بعد الوجه ، صرح به جماعة من أصحابنا ، فقد سقط الترتيب في اليد ، فكذلك في ظاهرها .

ووجهه المشهور أن الترتيب سقط في باطن اليد ضرورة ، فإنا إن أوجبنا مسحه مرتين كان خلاف قاعدة التيمم فيجب من الترتيب ما يمكن لقوله : ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ) ، ولأن مسح باطن اليد لما حصل تبعا لمسح الوجه سقط الترتيب كما سقط عن أعضاء الوضوء إذا أدخلت في الغسل تبعا ، على أن قول بعض أصحابنا يقتضي الترتيب مطلقا في الجميع [ ص: 422 ] على ظاهر الآية والحديث . فأما الترتيب عن الجنابة فقال القاضي أبو الحسين : يجب فيه الترتيب هنا اعتبارا بأصله ، ولأن عمارا لما تمعك لم يؤمر بإعادة الصلاة ، ولأنه صلى الله عليه وسلم قال له : ( إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا ، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ثم مسح الشمال على اليمين ، وظاهر كفيه ووجهه ) رواه مسلم .

وفي لفظ ( ثم مسح كل واحدة منهما بصاحبتها ثم بهما وجهه ) رواه أحمد وأبو داود بإسناد صحيح .

التالي السابق


الخدمات العلمية