الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فصل

وهو مخير بين التكفير بدينار أو نصف دينار في أشهر الروايتين . على ظاهر الحديث الصحيح في ذلك ، وعنه إن كان في إقبال الدم فدينار وإن كان في إدباره فنصف دينار ، حملا للتقسيم في موضعين ، وقد روى عبد الكريم بن أبي المخارق عن مقسم عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يقع على امرأته وهي حائض قال : " إن كان الدم عبيطا فليتصدق بدينار وإن كان صفرة فليتصدق بنصف دينار " رواه الترمذي ، ولا شيء عليه إذا وطئ بعد انقطاع الدم في المنصوص من [ ص: 467 ] الوجهين إذ لا نص فيه وحرمته أخف ، والوجه الآخر : فيه الكفارة لبقاء التحريم .

ولما روى ابن جريج قال : أخبرني عبد الكريم وغيره عن مقسم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم " جعل في الحائض تصاب دينارا ، فإن أصابها وقد أدبر الدم عنها ولم تغتسل فنصف دينار ، كل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، رواه أحمد في المسند ، ورواه أبو داود موقوفا على ابن عباس ، والمعتمد هي الرواية الأولى لصحتها . ونصف الدينار الزائد إذا أخرج دينارا فهو من الكفارة المقدرة المأمور بها ، وإن جاز تركه ، بخلاف ما زاد على ذلك فإنه صدقة محضة ، وإن أخرجه على جهة التكفير فهو مرغب فيه ليس هو من الكفارة المقدرة المأمور لقوله : " الصدقة تطفئ الخطيئة " وقوله : " أتبع السيئة الحسنة تمحها " . وقول حذيفة " فتنة الرجل في أهله وماله تكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " وهذا كما يخير الحاج بين أن يبيت الليلة الثالثة بمنى ويرمي الجمرة من الغد وبين أن لا يفعل ، وكمن وجب عليه الهدي ، فإن أخرج سبع بدنة جاز وإن أخرج بدنة فهو هدي أيضا وهو أفضل ، ومن وجبت عليه بنت مخاض فأخرج [ ص: 468 ] حقة جاز وكان الجميع زكاة ، والزائد على ذلك لا يوصف بالوجوب عند بعض أصحابنا ؛ لأن الواجب لا يجوز تركه ، وقد سمى الله تعالى ما زاد على الواجب تطوعا في قوله تعالى : ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا ) - يعني أكثر من مسكين - ( فهو خير له ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم للذي وجبت في ماله بنت مخاض : " ذلك الذي عليك فإن تطوعت بخير منه قبلناه منك وآجرك الله عليه " . ووصفه بعضهم بالوجوب وإن جاز تركه كما في الركعتين الزائدتين في صلاة السفر ، كما قال بعضهم في الواجب الذي ليس بمقدر ، مثل القيام والركوع والسجود إذا طوله زيادة على ما يجزئ . وأكثر ما فيه أنه يجب باختيار المكلف وهذا جائز ، كما يجب إتمام الإحرام إذا شرع فيه ، ويجب على العامي الأخذ بأحد القولين إذا اختار تقليد صاحبه وهذا لأنا نخيره بين أن يتركه أو يفعله على صفة الوجوب كما يخير بين ترك نوافل العبادات وبين أن يفعلها على الوجه المشروع فتكون الصفة واجبة بشرط فعل الأصل وإن لم تكن واجبة إذا ترك الأصل .

التالي السابق


الخدمات العلمية