الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                            صفحة جزء
                                                                                            41 - 19 - 3 باب منه في عظة الخضر موسى - عليهما السلام - .

                                                                                            17722 عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " قال أخي موسى - عليه السلام - : يا رب ، أرني الذي كنت أريتني في السفينة ، فأوحى الله إليه : يا موسى ، إنك ستراه ، فلم يلبث إلا يسيرا حتى أتاه الخضر ، وهو في طيب الريح ، وحسن ثياب البياض ، فقال : السلام عليك يا موسى بن عمران ، إن ربك يقرأ عليك : السلام ورحمة الله قال موسى : هو السلام ، وإليه السلام ، ومنه السلام ، والحمد لله رب العالمين ، الذي لا أحصي نعمه ، ولا أقدر على شكره ، إلا بمعونته ، ثم قال موسى : أريد أن توصيني بوصية ينفعني الله بها بعدك ، قال الخضر : يا طالب العلم ، إن القائل أقل ملالة من المستمع ، فلا تمل جلساءك إذا حدثتهم ، واعلم أن قلبك وعاء ، فانظر بما تحشو به وعاءك ، واعرف الدنيا ، وانبذها وراءك ; فإنها ليست لك بدار ، ولا لك فيها قرار ، وإنها جعلت بلغة للعباد ليتزودوا منها للمعاد ، ويا موسى ، وطن نفسك على الصبر تلق الحلم ، وأشعر قلبك التقوى تنل العلم ، ورض نفسك على الصبر تخلص من الإثم . يا موسى ، تفرغ للعلم إن كنت تريده ; فإنما العلم لمن تفرغ له ، ولا تكن [ ص: 233 ] هكارا بالمنطق مهذارا ، إن كثرة المنطق تشين العلماء ، وتبدي مساوئ الخفاء ، ولكن عليك بذي اقتصاد ; فإن ذلك من التوفيق والسداد ، وأعرض عن الجاهل ، واحلم عن السفهاء ; فإن ذلك فضل الحكماء ، وزين العلماء . إذا شتمك الجاهل فاسكت عنه سلما ، وجانبه حزما ; فإن ما بقي من جهله عليك ، وشتمه إياك أعظم وأكثر .

                                                                                            يا ابن عمران ، إنك لا ترى أوتيت من العلم إلا قليلا ; فإن الاندلاق والتعسف من الاقتحام والتكلف . يا ابن عمران ، لا تفتحن بابا لا تدري ما غلقه ، ولا تغلقن بابا لا تدري ما فتحه . يا ابن عمران ، من لا ينتهي من الدنيا نهمته ، ولا تنقضي منها رغبته ، كيف يكون عابدا ؟ من يحقر حاله ، ويتهم الله بما قضى له كيف يكون زاهدا ؟ هل يكف عن الشهوات من قد غلب هواه ، وينفعه طلب العلم والجهل قد حوله ; لأن سفره إلى آخرته ، وهو مقبل على دنياه . يا موسى ، تعلم ما تعلمن لتعمل به ، ولا تعلمه لتحدث به ، فيكون عليك بوره ، ويكون لغيرك نوره . يا ابن عمران ، اجعل الزهد والتقوى لباسك ، والعلم والذكر كلامك ، وأكثر من الحسنات ; فإنك مصيب السيئات ، وزعزع بالخوف قلبك ، فإن ذلك يرضي ربك ، واعمل خيرا ; فإنك لا بد عامل سواه . قد وعظت إن حفظت .

                                                                                            فتولى الخضر وبقي موسى حزينا مكروبا "
                                                                                            . رواه الطبراني في الأوسط ، وفيه زكريا بن يحيى الوقار ، وقد ضعفه غير واحد ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وذكر أنه أخطأ في وصله ، والصواب فيه : عن سفيان الثوري : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ، وبقية رجاله وثقوا .

                                                                                            التالي السابق


                                                                                            الخدمات العلمية