الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        الشرط السادس : كونه محرزا ، فلا قطع في سرقة ما ليس بمحرز ، ويختلف الحرز باختلاف الأحوال والأموال ، والتعويل في صيانة المال وإحرازه على شيئين ، أحدهما : الملاحظة والمراقبة ، والثاني : حصانة الموضع ووثاقته ، فإن لم يكن للموضع حصانة ، كالموضوع في صحراء ، أو مسجد ، أو شارع ، اشترط مداومة اللحاظ ، وإن كان له حصانة ، وانضم إليها اللحاظ المعتاد ، كفى ، ولم تشترط مداومته ، ويحكم في ذلك العرف ، وتفضيله بمسائل : [ ص: 122 ] إحداها : الإصطبل حرز الدواب مع نفاستها وكثرة قيمتها ، وليس حرزا للثياب والنقود ، والصفة في الدار وعرصتها حرزان للأواني وثياب البذلة دون الحلي والنقود ; لأن العادة فيها الإحراز في المخازن ، وكذا الثياب النفيسة تحرز في الدور ، وفي بيوت الحانات وفي الأسواق المنيعة ، والمتبن حرز للتبن دون الأواني والفرش .

                                                                                                                                                                        واعلم أن ما كان حرزا لنوع كان حرزا لما دونه ، وإن لم يكن حرزا لما فوقه .

                                                                                                                                                                        الثانية : إذا نام في صحراء ، أو مسجد ، أو شارع على ثوبه ، أو توسد عيبته أو متاعه ، أو اتكأ عليه ، فسرق الثوب من تحته ، أو العيبة ، أو أخذ المنديل من رأسه ، أو المداس من رجله ، أو الخاتم من أصبعه ، وجب القطع ; لأنه محرز به ، ولو زال رأسه عما توسده ، أو انقلب في النوم عن الثوب وخلاه ، فلا قطع بسرقته ، ولو رفع السارق النائم عن الثوب أولا ، ثم أخذه ، فلا قطع ، ولو وضع متاعه أو ثوبه بقربه في الصحراء أو المسجد ، فإن نام أو ولاه ظهره ، أو ذهل عنه بشاغل ، لم يكن محرزا ، وإن كان متيقظا يلاحظه فتغفله السارق ، وأخذ المال ، قطع على الصحيح ، وهل يشترط أن لا يكون في الموضع زحمة الطارقين ؟ وجهان ، أحدهما : لا ، وتكفي الملاحظة ، لكن لا بد بسبب الزحمة من مزيد مراقبة وتحفظ ، وأصحهما : نعم ، وتخرجه الزحمة عن كونه محرزا ، وأجري الوجهان في الخباز والبزاز وغيرهما إذا كثرت الزحمة على حانوته .

                                                                                                                                                                        قال الإمام : ولو وضع المتاع في شارع ، ولاحظه جمع ، صار عدد اللاحظين في معارضة عدد الطارقين ، كلاحظ في الصحراء في معارضة طارق ، ويشترط كون الملاحظ بحيث يقدر على المنع لو اطلع على سارق إما بنفسه ، وإما بالاستغاثة ، فإن كان ضعيفا لا يبالي به السارق ، [ ص: 123 ] والموضع بعيد عن الغوث ، فليس بحرز ، بل الشخص شائع مع ماله ، وينبغي أن لا يفرق بين كون الصحراء مواتا أو غيره .

                                                                                                                                                                        واعلم أن الركن الأول في كونه محرزا الملاحظة ، فلا تكفي حصانة الموضع على أصل الملاحظة ، حتى إن الدار المتفردة في طرف البلد لا تكون حرزا وإن تناهت في الحصانة ، وكذا القلعة المحكمة ; لأنه إذا لم يكن الموضع على أصل الملاحظة ، حتى إن الدار المنفردة في طرف البلد لا تكون خطرا ، لكن لا يحتاج مع الحصانة إلى دوام الملاحظة بخلاف ما ذكرنا في الصحراء .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        لو أدخل يده في جيب إنسان أو كمه ، وأخذ المال ، أو طر جيبه ، أو كمه ، وأخذ المال ، قطع ; لأنه محرز به ، وسواء ربطه من داخل الكم ، أم من خارجه أم لم يربطه ؟ وإن أخذه من رأس منديل على رأس ، قال البغوي : إن كان قد شده عليه ، قطع ، وإلا فلا .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية