الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        الحكم الثالث في حكم الأرض : أرض الكفار وعقارهم تملك بالاستيلاء ، كما تملك المنقولات ، وأما مكة ففتحت صلحا ، هذا مذهب الشافعي والأصحاب رحمهم الله ، وقال صاحب " الحاوي " : عندي أن أسفلها ، دخل خالد بن الوليد - رضي الله عنه - عنوة ، وأعلاها فتح صلحا ، والصحيح الأول ، فدورها وعراصها المحياة مملوكة ، كسائر البلاد ، فيصح بيعها ولم يزل الناس يتبايعونها ، وأما سواد العراق ، فقال أبو إسحاق : فتح صلحا ، والصحيح المنصوص أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فتحه عنوة ، وقسمه بين الغانمين ، ثم استطاب قلوبهم واسترده ، واختلف الأصحاب فيما فعله بأرضه على وجهين ، الصحيح الذي قاله الأكثرون ، ونص عليه في كتاب الرهن ، وفي سير الواقدي : أنه وقفها على المسلمين وآجره لأهله ، والخراج المضروب عليه أجرة منجمة تؤدى كل سنة ، والثاني وبه قال ابن سريج : أنه باعه لهم والخراج ثمن منجم ، فعلى هذا يجوز رهنه وهبته وبيعه ، وعلى الصحيح : لا يجوز ذلك ، ويجوز لأهله إجارته بالاتفاق مدة معلومة ، ولا تجوز إجارته مؤبدا على الأصح بخلاف إجارة عمر - رضي الله عنه - مؤبدا ، فإنها احتملت لمصلحة كلية ، ولا يجوز لغير سكانه أن يزعج ساكنا ويقول : أنا أستغله وأعطي الخراج ، لأنه ملك بالإرث المنفعة أو الرقبة ، هذا حكم الأرض التي تزرع وتغرس ، فأما ما في حد السواد من المساكن والدور ، فالمذهب جواز بيعها ، لأن أحدا لم يمنع شراءها ، وهل يجوز لمن في يده الأرض تناول ثمر أشجارها ؟ إن قلنا : الأرض مبيعة ، فكذا الشجر والثمر ، وإن قلنا : مستأجرة ، فوجهان ، أحدهما : يجوز له تناولها للحاجة ، ويحتمل ذلك [ ص: 276 ] كما يحتمل التأييد ، وأصحهما : المنع ، بل الإمام يصرفها وأثمانها إلى مصالح المسلمين . وأما حد السواد ، فأطلق جماعة أنه من عبادان إلى حديثة الموصل طولا ، ومن عذيب القادسية إلى حلوان عرضا ، وهو بالفراسخ مائة وستون فرسخا طولا ، وثمانون عرضا ، وفي هذا الإطلاق تساهل لما قد علم أن أرض البصرة كانت سبخة أحياها عثمان بن أبي العاصي وعتبة بن غزوان - رضي الله عنهما - بعد فتح العراق ، وهي داخلة في هذا الحد ولا بد من استثنائها ، وقد أطلق البغوي أن البصرة لا تدخل في حكم السواد وإن كانت داخلة في حده ، وقال صاحب " الحاوي " : حضرت الشيخ أبا حامد وهو يدرس في تحديد السواد فأدخل فيه البصرة ثم أقبل علي وقال : هكذا تقول ؟ قلت : لا إنما كانت مواتا أحياها المسلمون ، فأقبل على أصحابه وقال : علقوا ما يقول ، فإن أهل البصرة أعرف بها ، ولكن في إطلاق استثناء البصرة تساهل أيضا ، والصحيح ما أورده صاحب المهذب وغيره أن البصرة ليس لها حكم السواد إلا في موضع من شرقي دجلتها يسمى الفرات ، وموضع من غربي دجلتها يسمى نهر الصراة .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        ما يؤخذ من خراج هذه الأرض يصرفه الإمام في مصالح المسلمين الأهم فالأهم ، ويجوز صرفه إلى الفقراء والأغنياء من أهل الفيء وغيرهم ، وقدر الخراج في كل سنة على كل جريب شعير درهمان ، وجريب الحنطة أربعة دراهم ، وجريب الشجر وقصب السكر ستة ، والنخل ثمانية ، والكرم عشرة ، وقيل : النخل عشرة ، والزيتون اثنا عشر درهما .

                                                                                                                                                                        [ ص: 277 ] فرع :

                                                                                                                                                                        لو رأى الإمام اليوم أن يقف أرض الغنيمة كما فعل عمر - رضي الله عنه - جاز إذا استطاب قلوب الغانمين في النزول عنها بعوض أو بغير عوض ، فإن امتنع بعضهم ، فهو أحق بماله ، وكذا المنقولات والصبيان والنساء لا يجوز رد شيء منها إلى الكفار إلا بطيب أنفس الغانمين ، لأنهم ملكوها ، قال الإمام : وليس للإمام أن يأخذ الأرض قهرا وإن كان يعلم أنهم يتوانون بسببها في الجهاد ، ولكن يقهرهم على الخروج إلى الجهاد بحسب الحاجة .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية