الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        الركن الثاني : نفس السرقة ، وهي أخذ المال على وجه الخفية ، فلا قطع على من أخذ عيانا ، كالمختلس والمنتهب ، فالمختلس : هو من يعتمد الهرب ، والمنتهب : الذي يعتمد القوة والغلبة ، ولا يقطع المودع إذا جحد ، وفيه ثلاثة أطراف : الأول في إبطال الحرز ، وقد يكون بالنقب وفتح الباب ، وقد يكون بتغييبه عن نظر الملاحظ ، وفيه صور : الأولى : إذا نقب ، ثم عاد وأخرج نصابا في ليلة أخرى ، فإن علم صاحب الحرز بالنقب ، أو كان ظاهرا يراه الطارقون ، وبقي كذلك ، [ ص: 134 ] فلا قطع ، لانتهاك الحرز ، وإلا فيقطع على الأصح ، وبه قال ابن سريج وغيره ، كما لو نقب وأخرج المال آخر ، ولو نقب واحد ، ودخل آخر الحرز وأخرج المال في الحال ، أو بعده لم يقطع واحد منهما ، ويضمن الأول الجدار .

                                                                                                                                                                        والثاني ما أخذه ، وقيل : في وجوب القطع على الثاني قولان ، والمذهب الأول ، فلو كان في الدار حافظ قريب من النقيب ، وهو يلاحظ المتاع فهو محرز به ، فيقطع الآخذ . وإن كان الحافظ نائما ، لم يقطع في الأصح كما سبق فيمن نام في الدار وبابها مفتوح .

                                                                                                                                                                        الثانية : تعاون شريكان على النقب ، وأخرجا نصابين ، بأن أخرج كل واحد نصابا ، أو حملا متاعا يساوي نصابين ، لزمهما القطع ، وإن تعاونا على النقب ، وانفرد أحدهما بالإخراج ، فالقطع على المخرج خاصة ، وحكى الإمام في المخرج وجها شاذا جدا ، ولو نقب واحد ، ودخل مع آخر ، وأخرجا المال ، قطع الجامع بين النقب والإخراج دون الآخر ، ولو اشتركا في النقب ولم يخرجا إلا نصابا ، فقد سبق أنه لا قطع على واحد منهما ، ولو أخرج أحدهما بعد الاشتراك في النقب ثلثا ، والآخر سدسا ، قطع صاحب الثلث دون الآخر ، وفيما يحصل به الاشتراك في النقب وجهان ، أحدهما : لا يحصل بأخذ آلة واحدة ويستعملاها معا ، كما لا يحصل الاشتراك في قطع اليد إلا بأن يمرا حديدة واحدة ، وأصحهما : تحصل الشركة وإن أخذ هذا لبنات وهذا لبنات .

                                                                                                                                                                        الثالثة : الشريكان في النقب ، إذا دخل أحدهما ووضع المتاع قريبا من النقب ، أو دخل أحد السارقين ووضعه قريبا من باب الحرز ، وأدخل الآخر يده وأخذه ، فالقطع على الثاني المخرج دون الأول ، وكذا لو وقف أحدهما على طرف السطح ، ونزل الآخر وجمع الثياب وربطها [ ص: 135 ] بحبل ، فرفعها الواقف ، فالقطع عليه لا على الأول ، وعليهما الضمان ، ولو وضع الداخل المتاع خارج الحرز أو الباب ، وأخذه الآخر ، فالقطع على المخرج دون الآخذ ، ولو وضع المتاع على وسط النقب ، فأخذه الآخر وأخرجه وهو يساوي نصابين فقولان ، أحدهما : يقطعان ، وأظهرهما : لا قطع على واحد منهما ، ولو ناول الداخل الخارج في فم النقب ، قالالروياني : لا يقطع واحد منهما ، ذكره بعد حكايته القولين المذكورين ، ويشبه أن يكون هذا تفريعا على الأظهر ، وإلا فلا فرق ، ولو نقب اثنان ودخلا ، وأخذ أحدهما المال وشده على وسط الآخر ، فخرج به الآخر ، فالقطع على هذا الآخر دون الأول ، ولو أن الآخر أخذ المال فأخرجه والمتاع في يده ، قطع المحمول ، وفي الحامل وجهان ، أصحهما : لا يقطع ؛ لأنه ليس بحامل للمال ، ولهذا لو حلف لا يحمل طبقا ، فحمل رجلا حاملا طبقا ، لا يحنث ، ولو نقب زمن وأعمى ، وأدخل الأعمى الزمن فأخذ المال ، وحمله الأعمى وأخرجه ، قطع الزمن ، وفي الأعمى الوجهان ، قال صاحب " البيان " : ولو أن الأعمى حمل الزمن وأدخله ، فدل الزمن الأعمى على المال ، وأخذه ، وخرج به قطع الأعمى ، ولا يقطع الزمن على الأصح ، ولو نقب واحد ودخل ، فوضع المتاع على وسط النقب ، فأخذه آخر ، أو دخل غير الناقب ووضعه في الوسط ، فأخذه الناقب ، فلا قطع على واحد منهما .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        لا فرق في هتك الحرز بين النقب ، وكسر الباب ، وقلعه ، وفتح المغلاق والقفل ، وتسور الحائط ، فيجب القطع بأخذ المال في جميع هذا الأحوال .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية