الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
ولا يجوز بيع لبن بني آدم على وجه من الوجوه عندنا ولا يضمن متلفه أيضا وقال الشافعي رحمه الله يجوز بيعه ويضمن متلفه ; لأن هذا لبن طاهر أو مشروب طاهر كلبن الأنعام ولأنه غذاء للعالم فيجوز بيعه كسائر الأغذية وبهذا يتبين أنه مال متقوم فإن المالية والتقوم بكون العين منتفعا به شرعا وعرفا والدليل عليه أنه عين يجوز استحقاقه بعقد الإجارة فيجوز بيعه ويكون مالا متقوما كالصبغ في عمل الصباغة والحبر في الوراقة والحرض والصابون في غسيل الثياب بل أولى ; لأن العين للبيع أقبل منه للإجارة .

( وحجتنا ) في ذلك أن لبن الآدمية ليس بمال متقوم فلا يجوز بيعه ولا يضمن متلفه كالبزاق والمخاط والعرق وبيان الوصف أن المال اسم ; لما هو مخلوق لإقامة مصالحنا به مما هو غيرنا ، فأما الآدمي خلق مالكا للمال وبين كونه مالا وبين كونه مالكا للمال منافاة وإليه أشار الله تعالى في قوله { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } ، ثم لأجزاء الآدمي من الحكم ما لعينه .

( ألا ترى ) أن شعر الآدمي لا ينتفع به إكراما للآدمي بخلاف سائر الحيوانات وأن غائط الآدمي يدفن وما ينفصل من سائر الحيوانات ينتفع به واللبن جزء متولد من عين الآدمي .

( ألا ترى ) أن الحرمة تثبت باعتباره وهي حرمة الرضاع كما تثبت حرمة المصاهرة بالماء الذي هو أصل الآدمي والمتولد من الأصل يكون بصفة الأصل فإذا لم يكن الآدمي مالا في الأصل ، فكذلك ما يتولد منه من اللبن بمنزلة الولد .

( ألا ترى ) أن ولد الأضحية يثبت فيه الحكم تبعا وأن لبن الأضحية إذا حلبت يتصدق به ولهذا روي عن أبي يوسف رحمه الله قال : يجوز بيع لبن الأمة دون لبن الحرة اعتبارا للبن الولد ولكن هذا ليس بقوي ; لأن جواز بيع الولد بصفة الرق ، فأما الآدمي بدون هذا الوصف لا يكون محلا للبيع ولا رق في اللبن ; لأن الرق فيما تحله الحياة ; فإنه عبارة عن الضعف ولا حياة في اللبن والدليل عليه أن الصحابة رضوان الله عليهم في المغرور لم يوجبوا قيمة اللبن فلو كان اللبن مالا [ ص: 126 ] متقوما كان ذلك للمستحق وكان له القيمة للإتلاف في يد المغرور ، ولا يدخل على شيء مما ذكر المنافع فإنها تقبل العقد من الحر ; لأن المنافع لا تتولد من العين ولكنها أعراض تحدث في العين شيئا فشيئا ، فكانت غير الآدمي ، ثم نحن نجعل اللبن كالمنفعة إلا أن عندنا المنفعة لا تضمن بالإتلاف وتستحق بالإجارة دون البيع ، فكذلك لبن الآدمي وبهذا تبين أن اللبن ليس بمال متقوم مقصود ; لأنه عين والعين الذي هو مال مقصود لا يستحق بالإجارة كلبن الأنعام بخلاف الصبغ فصاحب الثوب هناك لا يستحق بالإجارة عين الصبغ بل ما يحدث في الثوب من اللون وكذلك الخبز

وكذلك الحرض والصابون المستحق لصاحب الثوب إزالة الدرن والوسخ عن الثوب حتى أن القصار بأي شيء أزال ذلك استحق الأجر وهنا المستحق بالإجارة عين اللبن حتى لو ربت الصبي بلبن الأنعام لا تستحق الأجر ولا نسلم أن اللبن غذاء على الإطلاق وإنما هو غذاء في تربية الصبيان لأجل الضرورة فهم لا يتربون إلا بلبن الجنس عادة كالميتة تكون غذاء عند الضرورة ولا يدل على أنها مال متقوم وهذا نظير النكاح فإن البضع يتملك بالعقد للحاجة إلى اقتضاء الشهوة وإقامة النسل ، ولا يحصل ذلك إلا بالجنس ، ثم ذلك لا يدل على أنه مال متقوم مع أن الغذاء ما في الثدي من اللبن ، وذلك لا يحتمل البيع بالاتفاق ، فأما ما يحلب القوارير قل ما يحصل به غذاء الصبي وفي تجويز ذلك فساد ; لأنه يؤجر به الصبيان فتثبت به حرمة الرضاع بينهم وبين من كان اللبن منها ولا يعلم ذلك فإن قيل سائر أجزاء الآدمي متقوم حتى يضمن بإتلاف ، فكذلك هذا الجزء قلنا قد بينا أن الآدمي في الأصل ليس بمال متقوم ولا نقول يضمن بالإتلاف أجزاء الآدمي بل يجب الضمان بالنقصان المتمكن في الأصل حتى لو اندملت الجراحة بالبرء ونبتت السن بعد القلع لا يجب شيء ; لأنه لا نقصان في الأصل ، فكذلك الإتلاف في اللبن لا يتمكن نقصان في الأصل ; ولهذا لا يجب الضمان فإن قيل لا كذلك فالمستوفى بالوطء في حكم جزء لم يضمن بالإتلاف عند الشبهة ، وإن لم يتمكن نقصان في الأصل قلنا المستوفى بالوطء في حكم النفس من وجه ; ولهذا لا يجعل البدل في إسقاط الواجب بإتلافه واللبن ليس نظيره .

( ألا ترى ) أنه لا يضمن بالإتلاف بعد البدل ومثله لا يضمن إذا لم يكن متقوما وقد بينا أنه ليس بمال متقوم ولا بأس بأن يستعطي الرجل بلبن المرأة ويشربه للدواء ; لأنه موضع الحاجة والضرورة ولو أصاب ثوبا لم ينجسه ; لأن الآدمي طاهر في الأصل فما تولد منه يكون طاهرا إلا ما قام الدليل الشرعي على نجاسته .

( ألا ترى ) أن عرقه [ ص: 127 ] وبزاقه يكون طاهرا ولأن المنفصل من أجزاء الحي إنما يتنجس باعتبار الموت ولا حياة في اللبن ولا يحله الموت ولأن المستحيل من الغذاء إلى فساد ونتن رائحة يكون نجسا واللبن ليس بهذه الصفة ; فلهذا كان طاهرا .

التالي السابق


الخدمات العلمية