الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ومكث الحسين طويلا من النهار كلما انتهى إليه رجل من الناس رجع عنه وكره أن يتولى قتله وعظم إثمه [ عليه ] ثم إن رجلا من كندة يقال له مالك بن النسير أتاه فضربه على رأسه بالسيف فقطع البرنس ، وأدمى رأسه وامتلأ البرنس دما ، فقال له الحسين : لا أكلت بها ولا شربت وحشرك الله مع الظالمين ! وألقى البرنس ولبس القلنسوة ، وأخذ الكندي البرنس ، فلما قدم على أهله أخذ البرنس يغسل الدم عنه ، فقالت له امرأته : أسلب ابن [ بنت ] رسول الله تدخل بيتي ؟ أخرجه عني ! قال : فلم يزل [ ص: 181 ] ذلك الرجل فقيرا بشر حتى مات .

ودعا الحسين بابنه عبد الله وهو صغير ( فأجلسه في حجره ، فرماه رجل من بني أسد فذبحه ، فأخذ الحسين دمه ) فصبه في الأرض ثم قال : ربي إن تكن حبست عنا النصر من السماء فاجعل ذلك لما هو خير وانتقم من هؤلاء الظالمين .

ورمى عبد الله بن عقبة الغنوي أبا بكر بن الحسين بن علي بسهم فقتله ، وقال العباس بن علي لإخوته من أمه عبد الله وجعفر وعثمان : تقدموا حتى أرثكم فإنه لا ولد لكم .

ففعلوا فقتلوا ، وحمل هانئ بن ثبيت الحضرمي على عبد الله بن علي فقتله ، ثم حمل على جعفر بن علي فقتله ، ورمى خولي بن يزيد الأصبحي عثمان بن علي ، ثم حمل عليه رجل من بني أبان بن دارم فقتله وجاء برأسه ، ورمى رجل من بني أبان أيضا محمد بن علي بن أبي طالب فقتله وجاء برأسه .

وخرج غلام من خباء من تلك الأخبية فأخذ بعود من عيدانه وهو ينظر كأنه مذعور ، فحمل عليه رجل قيل إنه هانئ بن ثبيت الحضرمي فقتله .

واشتد عطش الحسين فدنا من الفرات ليشرب فرماه حصين بن نمير بسهم فوقع في فمه فجعل يتلقى الدم بيده ورمى به إلى السماء ، ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال : اللهم إني أشكو إليك ما يصنع بابن بنت نبيك ! اللهم أحصهم عددا ، واقتلهم بددا ، ولا تبق منهم أحدا !

وقيل الذي رماه رجل من بني أبان بن دارم ، فمكث ذلك الرجل يسيرا ثم صب الله عليه الظمأ فجعل لا يروى ، فكان يروح عنه ويبرد له الماء فيه السكر وعساس فيها اللبن ويقول : اسقوني ، فيعطى القلة أو العس فيشربه ، فإذا شربه اضطجع هنيهة ثم يقول : اسقوني قتلني الظمأ ، فما لبث إلا يسيرا حتى انقدت بطنه انقداد بطن البعير .

ثم إن شمر بن ذي الجوشن أقبل في نفر نحو عشرة من رجالهم نحو منزل [ ص: 182 ] الحسين فحالوا بينه وبين رحله ، فقال لهم الحسين : ويلكم ! إن لم يكن لكم دين ولا تخافون يوم المعاد فكونوا أحرارا ذوي أحساب ، امنعوا رحلي وأهلي من طغاتكم وجهالكم .

فقالوا : ذلك لك يا ابن فاطمة .

وأقدم عليه شمر بالرجالة منهم : أبو الجنوب ، واسمه عبد الرحمن الجعفي ، والقشعم بن نذير الجعفي ، وصالح بن وهب اليزني ، وسنان بن أنس النخعي ، وخولي بن يزيد الأصبحي ، وجعل شمر يحرضهم على الحسين وهو يحمل عليهم فينكشفون عنه ، ثم إنهم أحاطوا به .

وأقبل إلى الحسين غلام من أهله فقام إلى جنبه وقد أهوى بحر بن كعب بن تيم الله بن ثعلبة إلى الحسين بالسيف ، فقال الغلام : يا ابن الخبيثة أتقتل عمي ! فضربه بالسيف ، فاتقاه الغلام بيده فأطنها إلى الجلدة ، فنادى الغلام : يا أمتاه ! فاعتنقه الحسين وقال له : يا ابن أخي اصبر على ما نزل بك فإن الله يلحقك بآبائك الطاهرين الصالحين ، برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلي وحمزة وجعفر والحسن .

وقال الحسين : اللهم أمسك عنهم قطر السماء وامنعهم بركات الأرض ! اللهم فإن متعتهم إلى حين ففرقهم فرقا واجعلهم طرائق قددا ولا ترض عنهم الولاة أبدا ، فإنهم دعونا لينصرونا فعدوا علينا فقتلونا !

ثم ضارب الرجالة حتى انكشفوا عنه ، ولما بقي الحسين في ثلاثة أو أربعة دعا بسراويل ففزره ونكثه لئلا يسلبه ، فقال له بعضهم : لو لبست تحته التبان .

قال : ذلك ثوب مذلة ولا ينبغي لي أن ألبسه .

فلما قتل سلبه بحر بن كعب ، وكانت يداه في الشتاء تنضحان بالماء ، وفي الصيف تيبسان كأنهما عود .

وحمل الناس عليه عن يمينه وشماله ، فحمل على الذين عن يمينه فتفرقوا ، ثم حمل على الذين عن يساره فتفرقوا ، فما رئي مكثور قط قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشا منه ، ولا أمضى جنانا ولا أجرأ مقدما منه ، إن كانت الرجالة لتنكشف عن يمينه وشماله انكشاف المعزى إذا شد فيها الذئب .

فبينما هو كذلك إذ خرجت زينب وهي تقول : ليت السماء انطبقت على الأرض ! وقد دنا عمر بن سعد ، فقالت : يا عمر أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه ؟ فدمعت عيناه [ ص: 183 ] حتى سالت دموعه على خديه ولحيته وصرف وجهه عنها .

وكان على الحسين جبة من خز ، وكان معتما مخضوبا بالوسمة ، وقاتل راجلا قتال الفارس الشجاع يتقي الرمية ويفترص العورة ويشد على الخيل وهو يقول : أعلى قتلي تجتمعون ؟ أما والله لا تقتلون بعدي عبدا من عباد الله ، الله أسخط عليكم لقتله مني ! وايم الله إني لأرجو أن يكرمني الله بهوانكم ثم ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون ! أما والله لو قتلتموني لألقى الله بأسكم بينكم وسفك دماءكم ثم لا يرضى بذلك منكم حتى يضاعف لكم العذاب الأليم .

قال : ومكث طويلا من النهار ، ولو شاء الناس أن يقتلوه لقتلوه ولكنهم كان يتقي بعضهم ببعض ويحب هؤلاء أن يكفيهم هؤلاء ، فنادى شمر في الناس : ويحكم ماذا تنتظرون بالرجل ؟ اقتلوه ثكلتكم أمهاتكم ! فحملوا عليه من كل جانب ، فضرب زرعة بن شريك التميمي على كفه اليسرى وضرب أيضا على عاتقه ثم انصرفوا عنه وهو يقوم ويكبو ، وحمل عليه في تلك الحال سنان بن أنس النخعي فطعنه بالرمح فوقع ، وقال لخولي بن يزيد الأصبحي : احتز رأسه ، فأراد أن يفعل فضعف وأرعد ، فقال له سنان ، فت الله عضدك ! ونزل إليه فذبحه واحتز رأسه فدفعه إلى خولي ، ( وسلب الحسين ما كان عليه ، فأخذ سراويله ) بحر بن كعب ( وأخذ قيس بن الأشعث قطيفته ، وهي من خز ، فكان يسمى بعد قيس قطيفة ) ، وأخذ نعليه الأودي ، وأخذ سيفه رجل من دارم ، ومال الناس على الورس والحلل والإبل فانتهبوها ونهبوا ثقله ومتاعه وما على النساء حتى إن كانت المرأة لتنزع ثوبها من ظهرها فيؤخذ منها .

ووجد بالحسين ثلاث وثلاثون طعنة وأربع وثلاثون ضربة ( غير الرمية ) .

وأما سويد بن المطاع فكان قد صرع فوقع بين القتلى مثخنا بالجراحات ، فسمعهم يقولون : قتل الحسين ! فوجد خفة فوثب ومعه سكين ، وكان سيفه قد أخذ [ ص: 184 ] فقاتلهم بسكينه ساعة ثم قتل ، قتله عروة بن بطان الثعلبي وزيد بن رقاد الجنبي ، وكان آخر من قتل من أصحاب الحسين .

ثم انتهوا إلى علي بن الحسين زين العابدين فأراد شمر قتله ، فقال له حميد بن مسلم : سبحان الله أتقتل الصبيان ! وكان مريضا ، وجاء عمر بن سعد فقال : لا يدخلن بيت هذه النسوة أحد ولا يعرض لهذا الغلام المريض ، ومن أخذ من متاعهم شيئا فليرده ، فلم يرد أحد شيئا .

فقال الناس لسنان بن أنس النخعي : قتلت الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قتلت أعظم العرب خطرا ، أراد أن يزيل ملك هؤلاء ، فأت أمراءك فاطلب ثوابك منهم فإنهم لو أعطوك بيوت أموالهم في قتله كان قليلا .

فأقبل على فرسه ، وكان شجاعا شاعرا به لوثة ، حتى وقف على باب فسطاط عمر بن سعد ثم نادى بأعلى صوته :


أوقر ركابي فضة وذهبا إني قتلت السيد المحجبا     قتلت خير الناس أما وأبا
وخيرهم إذ ينسبون نسبا



فقال عمر بن سعد : أشهد أنك مجنون ، أدخلوه علي .

فلما دخل حذفه بالقضيب وقال : يا مجنون أتتكلم بهذا الكلام ؟ والله لو سمعك ابن زياد لضرب عنقك ! وأخذ عمر بن سعد عقبة بن سمعان مولى الرباب ابنة امرئ القيس الكلبية امرأة الحسين ، فقال : ما أنت ؟ فقال : أنا عبد مملوك .

فخلى سبيله ، فلم ينج منهم غيره وغير المرقع بن ثمامة الأسدي ، وكان قد نثر نبله فقاتل ، فجاء نفر من قومه فآمنوه فخرج إليهم ، فلما أخبر ابن زياد خبره نفاه إلى الزارة .

ثم نادى عمر بن سعد في أصحابه من ينتدب إلى الحسين فيوطئه فرسه ، فانتدب عشرة ، منهم إسحاق بن حيوة الحضرمي ، وهو الذي سلب قميص الحسين ، فبرص بعد ، فأتوا فداسوا الحسين بخيولهم حتى رضوا ظهره وصدره .

وكان عدة من قتل من أصحاب الحسين اثنين وسبعين رجلا .

[ ص: 185 ] ودفن الحسين وأصحابه أهل الغاضرية من بني أسد بعد قتلهم بيوم .

وقتل من أصحاب عمر بن سعد ثمانية وثمانون رجلا سوى الجرحى فصلى عليهم عمر ودفنهم .

التالي السابق


الخدمات العلمية