الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر مكر المختار بابن الزبير

فلما أخرج المختار عامل ابن الزبير عن الكوفة ، وهو ابن مطيع ، سار إلى البصرة ، [ ص: 316 ] وكره أن يأتي ابن الزبير مهزوما ، فلما استجمع للمختار أمر الكوفة أخذ يخادع ابن الزبير ، فكتب إليه : قد عرفت مناصحتي إياك ، وجهدي على أهل عداوتك ، وما كنت أعطيتني إذا أنا فعلت ذلك [ من نفسك ] ، فلما وفيت لك لم تف بما عاهدتني عليه ، فإن ترد مراجعتي ومناصحتي فعلت ، والسلام .

وكان قصد المختار أن يكف ابن الزبير عنه ليتم أمره ، والشيعة لا يعلمون بشيء من أمره ، فأراد ابن الزبير أن يعلم أسلم هو أم حرب ، فدعا عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي فولاه الكوفة وقال له : إن المختار سامع مطيع . فتجهز بما بين ثلاثين ألف درهم إلى أربعين ألفا وسار نحو الكوفة . وأتى الخبر إلى المختار بذلك ، فدعا المختار زائدة بن قدامة ، وأعطاه سبعين ألف درهم وقال له : هذا ضعف ما أنفق عمر بن عبد الرحمن في طريقه إلينا . وأمره أن يأخذ معه خمسمائة فارس ويسير حتى يلقاه بالطريق ، ويعطيه النفقة ويأمره بالعود ، فإن فعل وإلا فليره الخيل .

فأخذ زائدة بن قدامة المال وسار حتى لقي عمر ، فأعطاه المال وأمره بالانصراف ، فقال له : إن أمير المؤمنين قد ولاني الكوفة ، ولا بد من إتيانها . فدعا زائدة الخيل ، وكان قد كمنها ، فلما رآها قد أقبلت أخذ المال وسار نحو البصرة ، فاجتمع هو وابن مطيع في إمارة الحارث بن أبي ربيعة ، وذلك قبل وثوب المثنى بن مخربة العبدي بالبصرة .

وقيل : إن المختار كتب إلى ابن الزبير : إني اتخذت الكوفة دارا ، فإن سوغتني ذلك وأمرت لي بألف ألف درهم سرت إلى الشام ، فكفيتك ابن مروان . فقال ابن الزبير : إلى متى أماكر كذاب ثقيف ويماكرني ؟ ثم تمثل ، شعر : عاري الجواعر من ثمود أصله عبد ويزعم أنه من يقدم

وكتب إليه : والله ولا درهم : ولا أمتري [ عبد ] الهوان ببدرتي وإني لآتي الحتف ما دمت أسمع

[ ص: 317 ] ثم إن عبد الملك بن مروان بعث عبد الملك بن الحارث بن أبي الحكم بن أبي العاص إلى وادي القرى ، وكان المختار قد وادع الزبير ليكف عنه ليتفرغ لأهل الشام . فكتب المختار إلى ابن الزبير : قد بلغني أن ابن مروان قد بعث إليك جيشا ، فإن أحببت أمددتك بمدد .

فكتب إليه ابن الزبير : إن كنت على طاعتي فبايع لي الناس قبلك ، وعجل إنقاذ الجيش ، ومرهم ليسيروا إلى من بوادي القرى من جند ابن مروان فليقاتلوهم ، والسلام .

فدعا المختار شرحبيل بن ورس الهمداني ، فسيره في ثلاثة آلاف أكثرهم من الموالي ، وليس فيهم من العرب إلا سبعمائة رجل ، وقال : سر حتى تدخل المدينة ، فإذا دخلتها فاكتب إلي بذلك حتى يأتيك أمري . وهو يريد إذا دخلوا المدينة أن يبعث عليهم أميرا ، ثم يأمر ابن ورس بمحاصرة ابن الزبير بمكة . وخشي ابن الزبير أن يكون المختار إنما يكيده ، فبعث من مكة عباس بن سهل بن سعد في ألفين ، وأمره أن يستنفر الأعراب ، وقال له : إن رأيت القوم على طاعتي ، وإلا فكايدهم حتى تهلكهم .

فأقبل عباس بن سهل حتى لقي ابن ورس بالرقيم وقد عبأ ابن ورس أصحابه ، وأتى عباس وقد تقطع أصحابه ، ورأى ابن ورس على الماء وقد عبأ أصحابه ، فدنا منهم وسلم عليهم ، ثم قال لابن ورس سرا : ألستم على طاعة ابن الزبير ؟ قال : بلى . قال : فسر بنا على عدوه الذي بوادي القرى .

فقال ابن ورس : ما أمرت بطاعتكم ، إنما أمرت أن آتي المدينة ، فإذا أتيتها رأيت رأيي . فقال له عباس : إن كنتم في طاعة ابن الزبير فقد أمرني أن أسيركم إلى وادي القرى . ( فقال : لا أتبعك ، أقدم المدينة وأكتب إلى صاحبي ، فيأمرني بأمره . فقال عباس : رأيك أفضل . وفطن لما يريد وقال : أما أنا فسائر إلى وادي القرى ) .

ونزل عباس وبعث إلى ابن ورس بجزائر وغنم مسلخة ، وكانوا قد ماتوا جوعا ، فذبحوا واشتغلوا بها واختلطوا على الماء ، وجمع عباس من أصحابه نحو ألف رجل من الشجعان وأقبل نحو فسطاط ابن ورس ، فلما رآهم نادى في أصحابه ، فلم يجتمع إليه مائة رجل حتى انتهى إليه عباس ، واقتتلوا يسيرا ، فقتل ابن ورس في سبعين من أهل الحفاظ ، ورفع عباس راية أمان لأصحاب ابن ورس ، فأتوها إلا نحو من ثلاثمائة رجل مع سليمان بن حمير الهمداني وعباس بن جعدة الجدلي ، فظفر ابن سهل منهم بنحو من مائتين فقتلهم ، وأفلت الباقون فرجعوا ، فمات أكثرهم في الطريق .

[ ص: 318 ] وكتب المختار بخبرهم إلى ابن الحنفية يقول : إني أرسلت إليك جيشا ليذلوا لك الأعداء ، ويحرزوا البلاد ، فلما قاربوا طيبة فعل بهم كذا وكذا ، فإن رأيت أن أبعث إلى المدينة جيشا كثيفا ، وتبعث إليهم من قبلك رجلا حتى يعلموا أني في طاعتك فافعل ، فإنك ستجدهم بحقكم أعرف ، وبكم أهل البيت أرأف منهم بآل الزبير ، والسلام .

فكتب إليه ابن الحنفية : أما بعد ، فقد قرأت كتابك ، وعرفت تعظيمك لحقي وما تنويه من سروري ، وإن أحب الأمور كلها إلي ما أطيع الله فيه ، فأطع الله ما استطعت ، وإني لو أردت القتال لوجدت الناس إلي سراعا ، والأعوان لي كثيرا ، ولكن أعتزلكم وأصبر حتى يحكم الله ، وهو خير الحاكمين . وأمره بالكف عن الدماء .

التالي السابق


الخدمات العلمية