الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر خروج مطرف بن المغيرة بن شعبة

قيل : إن بني المغيرة بن شعبة كانوا صلحاء أشرافا بأنفسهم مع شرف أبيهم ومنزلتهم من قومهم ، فلما قدم الحجاج ورآهم علم أنهم رجال قومهم ، فاستعمل عروة على الكوفة ، ومطرفا على المدائن ، وحمزة على همذان ، وكانوا في أعمالهم أحسن الناس سيرة ، وأشدهم على المريب ، وكان مطرف على المدائن عند خروج شبيب وقربه منها ، كما سبق ، فكتب إلى الحجاج يستمده ، فأمده بسبرة بن عبد الرحمن بن مخنف وغيره ، وأقبل شبيب حتى نزل بهرسير ، وكان مطرف بالمدينة العتيقة ، وهي التي فيها إيوان كسرى ، فقطع مطرف الجسر ، وبعث إلى شبيب يطلب إليه أن يرسل بعض أصحابه لينظر فيما يدعون ، فبعث إليه عدة منهم ، فسألهم مطرف عما يدعون إليه ، فقالوا : ندعوا إلى كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وإن الذي نقمنا من قومنا الاستئثار بالفيء ، وتعطيل الحدود ، ( والتسلط بالجبرية ) .

فقال لهم مطرف : ما دعوتم إلا إلى حق ، وما نقمتم إلا جورا ظاهرا ، أنا لكم متابع [ ص: 466 ] فتابعوني على ما أدعوكم إليه ; ليجتمع أمري وأمركم . فقالوا : اذكره فإن يكن حقا نجبك إليه . قال : أدعوكم إلى أن نقاتل هؤلاء الظلمة على إحداثهم ، وندعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه ، وأن يكون هذا الأمر شورى بين المسلمين ، يؤمرون من يرتضون على مثل هذه الحال التي تركهم عليها عمر بن الخطاب ، فإن العرب إذا علمت أن ما يراد بالشورى الرضى من قريش رضوا ، وكثر تبعكم وأعوانكم . فقالوا : هذا ما لا نجيبك إليه . وقاموا من عنده وترددوا بينهم أربعة أيام ، فلم تجتمع كلمتهم ، فساروا من عنده . وأحضر مطرف نصحاءه وثقاته ، فذكر لهم ظلم الحجاج وعبد الملك ، وأنه ما زال يؤثر مخالفتهم ومناهضتهم ، وأنه يرى ذلك دينا لو وجد عليه أعوانا ، وذكر لهم ما جرى بينه وبين أصحاب شبيب ، وأنهم لو تابعوه على رأيه لخلع عبد الملك والحجاج ، واستشارهم فيما يفعل .

فقالوا له : اخف هذا الكلام ولا تظهره لأحد . فقال له يزيد بن أبي زياد ، مولى أبيه المغيرة بن شعبة : والله لا يخفى على الحجاج مما كان بينك وبينهم كلمة واحدة ، وليزادن على كل كلمة عشر أمثالها ، ولو كنت في السحاب لالتمسك الحجاج حتى يهلك ، فالنجاء النجاء !

فوافقه أصحابه على ذلك ، فسار عن المدائن نحو الجبال ، فلقيه قبيصة بن عبد الرحمن الخثعمي بدير يزدجرد ، فأحسن إليه وأعطاه نفقة وكسوة ، فصحبه ثم عاد عنه ، ثم ذكر مطرف لأصحابه بالدسكرة ما عزم عليه ، ودعاهم إليه ، وكان رأيه خلع عبد الملك والحجاج ، والدعاء إلى كتاب الله وسنة نبيه ، وأن يكون الأمر شورى بين المسلمين ، يرتضون لأنفسهم من أحبوه . فبايعه البعض على ذلك ، ورجع عنه البعض .

وكان ممن رجع عنه سبرة بن عبد الرحمن بن مخنف ، فجاء إلى الحجاج ، وقاتل شبيبا مع أهل الشام .

وسار مطرف نحو حلوان ، وكان بها سويد بن عبد الرحمن السعدي من قبل الحجاج ، فأراد هو والأكراد منعه ليعذر عند الحجاج ، فجازه مطرف بمواطأة منه ، وأوقع مطرف بالأكراد ، فقتل منهم وسار ، فلما دنا من همذان وبها أخوه حمزة بن المغيرة تركها ذات اليسار ، وقصد ماه دينار ، وأرسل إلى أخيه حمزة يستمده بالمال والسلاح ، فأرسل إليه سرا ما طلب . وسار مطرف حتى بلغ قم وقاشان ، وبعث عماله على تلك النواحي ، [ ص: 467 ] وأتاه الناس ، وكان ممن أتاه : سويد بن سرحان الثقفي ، وبكير بن هارون النخعي ، من الري ، في نحو مائة رجل .

وكتب البراء بن قبيصة ، وهو عامل الحجاج على أصبهان ، إليه يعرفه حال مطرف ويستمده ، فأمده بالرجال بعد الرجال على دواب البريد ، وكتب الحجاج إلى عدي بن زياد عامل الري يأمره بقصد مطرف ، وأن يجتمع هو والبراء على محاربته ، فسار عدي من الري ، فاجتمع هو والبراء بن قبيصة ، وكان عدي هو الأمير ، فاجتمعوا في نحو ستة آلاف مقاتل ، وكان حمزة بن المغيرة قد أرسل إلى الحجاج يعتذر ، فأظهر قبول عذره وأراد عزله ، وخاف أن يمتنع عليه ، فكتب إلى قيس بن سعد العجلي ، وهو على شرطة حمزة بهمذان ، بعهده على همذان ، ويأمره أن يقبض على حمزة بن المغيرة .

وكان بهمذان من عجل وربيعة جمع كثير ، فسار قيس بن سعد إلى حمزة في جماعة من عشيرته ، فأقرأه العهد بولاية همذان وكتاب الحجاج بالقبض عليه ، وقال : سمعا وطاعة . فقبض قيس على حمزة وجعله في السجن ، وتولى قيس همذان ، وتفرغ قلب الحجاج من هذه الناحية لقتال مطرف ، وكان يخاف مكان حمزة بهمذان لئلا يمد أخاه بالمال والسلاح ، ولعله ينجده بالرجال .

فلما قبض عليه سكن قلبه وتفرغ باله ، ولما اجتمع عدي بن زياد الإيادي ، والبراء بن قبيصة - سارا نحو مطرف فخندقا عليه ، فلما دنوا اصطفوا للحرب ، واقتتلوا قتالا شديدا ، فانهزم أصحاب مطرف ، وقتل مطرف وجماعة كثيرة من أصحابه ، قتله عمير بن هبيرة الفزاري ، وحمل رأسه فتقدم بذلك عند بني أمية ، وقاتل ابن هبيرة ذلك اليوم ، وأبلى بلاء حسنا .

وقتل يزيد بن أبي زياد مولى المغيرة ، وكان صاحب راية مطرف ، وقتل من أصحابه عبد الرحمن بن عبد الله بن عفيف الأزدي ، وكان ناسكا صالحا .

وبعث عدي بن زياد إلى الحجاج أهل البلاء ، فأكرمهم وأحسن إليهم ، وآمن عدي بكير بن هارون ، وسويد بن سرحان ، وغيرهما ، وطلب منه الأمان للحجاج بن حارثة الخثعمي ، فبعث إليهم كتاب الحجاج يأمره بإرساله إليه إن كان حيا ، فاختفى ابن حارثة حتى عزل عدي ، ثم ظهر في إمارة خالد بن عتاب بن ورقاء .

وكان الحجاج يقول : إن مطرفا ليس بولد للمغيرة بن شعبة ، إنما هو ولد مصقلة بن [ ص: 468 ] سبرة الشيباني ، وكان مصقلة والمغيرة يدعيانه ، فألحق بالمغيرة وجلد مصقلة الحد ، فلما أظهر رأي الخوارج قال الحجاج ذلك ; لأن كثيرا من ربيعة كانوا من خوارج ، ولم يكن منهم أحد من قيس عيلان .

التالي السابق


الخدمات العلمية