الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وقوله تعالى : يوصيكم الله في أولادكم فيه بيان للنصيب المفروض في قوله تعالى : للرجال نصيب إلى قوله تعالى : نصيبا مفروضا والنصيب المفروض هو الذي بين مقداره في قوله تعالى : يوصيكم الله في أولادكم وقد روي عن ابن عباس أنه قرأ : كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين فقال : قد نسخ هذا قوله تعالى : للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون .

وقال مجاهد : " كان الميراث للولد وكانت الوصية للوالدين والأقربين ، فنسخ الله تعالى من ذلك ما أحب ، فجعل للولد الذكر مثل حظ الأنثيين ، وجعل لكل واحد من الأبوين السدس مع الولد " . قال ابن عباس : وقد كان الرجل إذا مات وخلف زوجته اعتدت سنة كاملة في بيته ينفق عليها من تركته ، وهو قوله تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج ثم نسخ ذلك بالربع أو الثمن .

وقوله تعالى : وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض نسخ به التوارث بالحلف وبالهجرة وبالتبني على النحو الذي بينا ؛ وكذلك قوله تعالى : يوصيكم الله في أولادكم هي آية محكمة غير منسوخة ، وهي موجبة لنسخ الميراث بهذه الأسباب التي ذكرنا ؛ لأنه جعل الميراث للمسمين فيها ، فلا يبقى لأهل هذه الأسباب شيء ، وذلك موجب لسقوط حقوقهم في هذه الحال . وروى محمد بن عبد الله بن عقيل عن جابر [ ص: 8 ] بن عبد الله قال : جاءت امرأة من الأنصار ببنتين لها فقالت : يا رسول الله هاتان بنتا ثابت بن قيس قتل معك يوم أحد ولم يدع لهما عمهما مالا إلا أخذه ، فما ترى يا رسول الله ؟ فوالله لا تنكحان أبدا إلا ولهما مال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يقضي الله في ذلك فنزلت سورة النساء : يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين الآية ، فقال صلى الله عليه وسلم : ادع لي المرأة وصاحبها فقال لعمهما : أعطهما الثلثين وأعط أمهما الثمن وما بقي فلك .

قال أبو بكر : قد حوى هذا الخبر معاني : منها أن العم قد كان يستحق الميراث دون البنتين على عادة أهل الجاهلية في توريث المقاتلة دون النساء والصبيان ، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك حين سألته المرأة بل أقر الأمر على ما كان عليه وقال لها : " يقضي الله في ذلك " ثم لما نزلت الآية أمر العم بدفع نصيب البنتين والمرأة إليهن ؛ وهذا يدل على أن العم لم يأخذ الميراث بديا من جهة التوقيف بل على عادة أهل الجاهلية في المواريث ؛ لأنه لو كان كذلك لكان إنما يستأنف فيما يحدث بعد نزول الآية وما قد مضى على حكم منصوص متقدم لا يعترض عليه بالنسخ ، فدل على أنه أخذه على حكم الجاهلية التي لم ينقلوا عنها .

وروى سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال : مرضت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني فأتاني وقد أغمي علي ، فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رش علي من وضوئه فأفقت فقلت : يا رسول الله كيف تقضي في مالي ؟ فلم يجبني بشيء حتى نزلت آية المواريث : يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين .

قال أبو بكر : ذكر في الحديث الأول قصة المرأة مع بنتيها وذكر في هذا الحديث أن جابرا سأله عن ذلك ، وجائز أن يكون الأمران جميعا قد كانا ؛ سألته المرأة فلم يجبها منتظرا للوحي ثم سأله جابر في حال مرضه ، فنزلت الآية وهي ثابتة الحكم مثبتة للنصيب المفروض في قوله تعالى : للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون الآية . ولم يختلف أهل العلم في أن المراد بقوله تعالى : يوصيكم الله في أولادكم أولاد الصلب ، وأن ولد الولد غير داخل مع ولد الصلب ، وأنه إذا لم يكن ولد الصلب فالمراد أولاد البنين دون أولاد البنات ، فقد انتظم اللفظ أولاد الصلب وأولاد الابن إذا لم يكن ولد الصلب ، وهذا يدل على صحة قول أصحابنا فيمن أوصى لولد فلان أنه لولده لصلبه ، فإن لم يكن له ولد لصلبه فهو لولد ابنه . وقوله تعالى : للذكر مثل حظ الأنثيين قد أفاد أنه إن كان ذكرا وأنثى فللذكر سهمان وللأنثى سهم ، وأفاد أيضا [ ص: 9 ] أنهم إذا كانوا جماعة ذكورا وإناثا أن لكل ذكر سهمين ولكل أنثى سهما ، وأفاد أيضا أنه إذا كان مع الأولاد ذوو سهام نحو الأبوين والزوج والزوجة أنهم متى أخذوا سهامهم كان الباقي بعد السهام بين الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين وذلك ؛ لأن قوله تعالى : للذكر مثل حظ الأنثيين اسم للجنس يشتمل على القليل والكثير منهم ، فمتى ما أخذ ذوو السهام سهامهم كان الباقي بينهم على ما كانوا يستحقونه لو لم يكن ذو سهم .

التالي السابق


الخدمات العلمية