الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال: واتفقوا أن من نذر معصية فإنه لا يجوز له الوفاء بها.

واختلفوا أيلزمه لذلك كفارة أم لا؟ واختلفوا في النذر المطلق الذي ليس معلقا بصفة، وفي النذر الخارج مخرج اليمين، أيلزم أم لا؟ وأفيه كفارة أم لا؟

قال: واتفقوا أن من نذر ما لا طاعة فيه ولا معصية أنه لا شيء عليه.

قلت: بل النزاع في نذر المباح هل يلزم فيه كفارة إذا تركه كالنزاع في نذر المعصية وأوكد، وظاهر مذهب أحمد لزوم الكفارة في الجميع، وكذلك مذهب أكثر السلف، وهو قول أبي حنيفة وغيره، لكن قيل عنه إذا قصد بالنذر اليمين.

قال: واتفقوا أن إزالة المرء عن نفسه ظلما -بأن يظلم من لم يظلمه قاصدا إلى ذلك- لا يحل، وذلك مثل أن يحل عدو المسلمين بساحة قوم فيقول؟ أعطوني مال فلان، أو أعطوني فلانا، وهو لا حق له عنده بحكم دين الإسلام. أو قال: أعطوني امرأة أو أمة فلان، أو افعلوا كذا لبعض ما لا يحل في دين الإسلام، فإنه لا خلاف بين أحد من المسلمين في أنه لا يجاب إلى ذلك، وإن كان في منعه اصطلام الجميع. [ ص: 342 ]

قلت: دعوى الإجماع في مثل هذا الأمر العام الذي يتناول أنواعا كثيرة ليس مستنده نقلا في هذا عن أهل الإجماع، ولكن هو بحسب ما يعتقده الناقل في أن مثل هذا ظلم محرم لا يبيحه عالم. وفي بعض ما يدخل في هذا نزاع وتفصيل. كما لو تترس الكفار بأسرى المسلمين وخيف على جيش المسلمين إن لم يرموا، فإنه يجوز أن يرموا بقصد الكفار، وإن أفضى إلى قتل هؤلاء المعصومين، لأن فساد ذلك دون فساد استيلاء الكفار على جيش المسلمين. وهذا مذهب الفقهاء المشهورين، كأبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم. ولو لم يخش على جيش المسلمين ففي جواز الرمي قولان لهم: أحدهما يجوز، كقول أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي؟ والثاني لا يجوز، كالمعروف من مذهب أحمد والشافعي. وكذلك لو أكره رجل رجلا على إتلاف مال غيره، وإن لم يتلفه قتله، جاز له إتلافه بشرط الضمان. والعدو المحاصر إذا طلب مال شخص، وإن لم يدفعوه اصطلمهم العدو، فإنهم يدفعون ذلك المال، ويضمنونه لصاحبه. وأمثال ذلك كثيرة.

وقد ذكر -رحمه الله تعالى- إجماعات من هذا الجنس في هذا الكتاب، ولم يكن قصدنا تتبع ما ذكره من الإجماعات التي عرف انتقاضها، فإن هذا يزيد على ما ذكرناه. مع أن أكثر ما ذكره من الإجماع هو كما حكاه لا نعلم فيه نزاعا، وإنما المقصود أنه مع كثرة اطلاعه على أقوال العلماء وتبرزه في ذلك على غيره، واشتراطه ما اشترطه في الإجماع الذي يحكيه، يظهر فيما ذكره في الإجماع نزاعات مشهورة، وقد يكون الراجح في بعضها خلاف ما يذكره في الإجماع. وسبب ذلك دعوى الإحاطة بما لا يمكن الإحاطة به، ودعوى أن الإجماع الإحاطي هو الحجة لا غيره. فهاتان قضيتان لا بد [ ص: 343 ] لمن ادعاهما من التناقض إذا احتج بالإجماع، فمن ادعى الإجماع في الأمور الخفية بمعنى أنه يعلم عدم المنازع فقد قفا ما ليس له به علم. وهؤلاء الذين أنكر عليهم الإمام أحمد. وأما من احتج بالإجماع بمعنى عدم العلم بالمنازع فقد اتبع سبيل الأئمة، وهذا هو الإجماع الذي كانوا يحتجون به في مثل هذه المسائل.

التالي السابق


الخدمات العلمية