الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              صفحة جزء
                                                                                              2598 [ 1494 ] وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن من شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته، وتفضي إليه، ثم ينشر سرها".

                                                                                              وفي لفظ آخر: "إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل... " ثم ذكره.

                                                                                              وفي رواية: "إن أعظم". بإسقاط من.

                                                                                              رواه مسلم (1437) (123) و (124)، وأبو داود (4870).

                                                                                              التالي السابق


                                                                                              و (قوله: إن من شر الناس منزلة الرجل يفضي إلى امرأته، ثم ينشر سرها ) وقد تقدم الكلام على لفظي (شر) و (خير) وأنهما يكونان للمفاضلة، وغيرها. و (شر) هنا للمفاضلة؛ بمعنى: (أشر) وهو أصلها. و (من) هنا: زائدة على (شر).

                                                                                              و (يفضي): يصل، وهو كناية عن الجماع، كما في قوله تعالى: وقد أفضى بعضكم إلى بعض [النساء: 21] و (سرها): نكاحها، كما قال:

                                                                                              [ ص: 162 ]

                                                                                              ولا تنظرن جارة إن سرها عليك حرام فانكحن أو تأبدا



                                                                                              وكني به عن النكاح لأنه يفعل في السر.

                                                                                              ومقصود هذا الحديث هو: أن الرجل له مع أهله خلوة، وحالة يقبح ذكرها، والتحدث بها، وتحمل الغيرة على سترها، ويلزم من كشفها عار عند أهل المروءة والحياء. فإن تكلم بشيء من ذلك، وأبداه، كان قد كشف عورة نفسه وزوجته؛ إذ لا فرق بين كشفها للعيان، وكشفها للأسماع والآذان؛ إذ كل واحد منهما يحصل به الاطلاع على العورة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (لا تعمد المرأة فتصف المرأة لزوجها، حتى كأنه ينظر إليها) فإن دعت حاجة إلى ذكر شيء من ذلك، فليذكره مبهما، غير معين، بحسب الحاجة والضرورة، كما قال صلى الله عليه وسلم: (فعلته أنا وهذه) وكقوله: (هل أعرستم الليلة؟) وكقوله: (كيف وجدت أهلك؟) والتصريح بذلك وتفصيله ليس من مكارم الأخلاق، ولا من خصال أهل الدين.

                                                                                              و (قوله: إن أعظم الأمانة ) أي: أوكد، وأكبر في مقصود الشرع. و (الأمانة) للجنس؛ أي: الأمانات. وقد تقدم: أن الأمانة ما يوكل إلى حفظ [ ص: 163 ] الإنسان، وقيامه به. وقد سقطت (من) في إحدى الروايتين. والصواب: إثباتها؛ فإنها تفيد: أن هذه الأمانة من جنس الأمانات العظيمة، وهو صحيح. وإسقاطها يشعر: بأن هذه الأمانة أعظم الأمانات كلها، وليس بصحيح، فإن الأمانة على صحيح الإيمان أعظم. وكذلك على الطهارة وغيرها مما يؤتمن عليه الإنسان من خفي الأعمال.




                                                                                              الخدمات العلمية