الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                السبب الثاني : كونه مما لا يجوز بيعه لعينه كالخمر ، أو لغرره كالآبق ، أو دار فلان على أن يشتريها لها ، ففي الكتاب : يفسخ قبل البناء ، ويثبت بعده بصداق المثل ، ويرد ما قبضت من الغرر ، وإن هلك بيدها ضمنته ، وإلا فلا ، فإن تغير في يديه أو سوقه فهو فوت تضمنه بالقيمة يوم القبض ، والمثلي بالمثلي ، وكذلك كل ما فساده في صداقه ; لأن المقصود من النكاح المواصلة دون التنمية للمال فتأثيره فيه ضعيف بدليل نكاح التفويض ، ولو وقع مثله في المبيع لم يجز ، قال ابن يونس : وروي عنه يفسخ بعد البناء ; لأن الصداق أحد أركان العقد ، وقال ( ش ) ، و ( ح ) : [ ص: 386 ] لا يفسخ مطلقا ، ومن الأصحاب من حمل الفسخ قبل البناء على الندب ، قال ابن القاسم : ويجوز بالعبد البعيد الغيبة كمسيرة الشهر على الصفة ، والضمان من الزوج ، ولا يدخل حتى تقبضه ، وإن قدم ربع دينار ; لأن النقد في البعيد لا يجوز ، ويدخل في القريب قبل القبض ، وإذا هلك القريب فلها قيمته على تلك الصفات ; لأنه من المتقومات ، وقيل : مثله في الصفة كالمسلم ، وإن مات في يدها فعلمت فيه عيبا كان عند الزوج غرمت قيمة العبد معيبا يوم القبض ، وترجع بمثله في صفته ، وفيه اختلاف ، قال عبد الملك : إن تزوج امرأة بثمرة لم يبد صلاحها فأجيحت كلها فهي من الزوج ، ولها قيمة الثمرة ، وقال ابن القاسم : المصيبة من المرأة بخلاف البيوع ; لأن النكاح مكارمة .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال صاحب المنتقى : إذا تزوجها بمغصوب ماله فيه شبهة كالابن الصغير في ولايته ، لم يختلف أصحابنا أن الأب إن كان ميسورا كان للزوجة ، كما لو اشتراه لنفسه ، واتبع بالقيمة ، أو مثلها في المثليات ، أو معسرا فروي عن مالك هو للمرأة ، ومنع مطرف كالاستهلاك ، وإذا قلنا هو للابن ، قال عبد الملك : بعد الدخول ، قال مطرف : بل للمرأة بالدخول ; لأن المعاوضة قد تمت باستيفاء البضع ، قال ابن حبيب : وهذا ما لم يمنعه الإمام من التزويج بمال ابنه ، وإلا فحينئذ الابن أحق بها اتفاقا ، وإن كان كبيرا لا ولاية عليه انتزع من المرأة ، فإن فقد فلا [ ص: 387 ] شيء له عليها إلا أن يكون طعاما أكلته أو ثوبا لبسته ، قال ابن القاسم : علمت بهم أم لا كالابتياع من الغاصب ، فإن لم يكن له فيه شبهة كالسرقة ثبت النكاح عند سحنون .

                                                                                                                وإن جهلت فسخ قبل البناء فقط ، وخرج أبو الطاهر الصحة مع العلم من الخلاف فيما اشتري من غاصب وهو يعلم ، وفي الجواهر : إن تزوج بمغصوب ، قال ابن القاسم : لا ينفسخ النكاح ، وإن تعمد ذلك ، وعليه مثله إن كان مثليا أو قيمته إن كان قيما ، وقيل : أيضا يغرم المثل ، وقيل : صداق المثل ، وهذه الأقوال فيما إذا أصدقها معيبا فاختارت رده ، وقال عبد الملك : يفسخ في المغصوب قبل البناء .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                في الجواهر : قال إذا تزوج على مائة وخمسين لم يكن عليه سوى خمسين ; لأنها المحققة .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                في الكتاب : إذا كان الصداق مؤجلا لموت أو فراق فسخ قبل البناء للجهالة بالأجل ، وثبت بعده ولها صداق المثل نقدا كقيم المتلفات ، ولمالك : لها قيمة المؤجل ، قال ابن القاسم : ولا يعجبني ; لأن القيمة فرع الثبوت ، قال صاحب النكت : قال غير واحد من القرويين : إذا تزوجها بمائة نقدا أو مائة إلى أجل أو مائة إلى موت أو فراق ودخل ، وروعي صداق [ ص: 388 ] المثل يقال كم صداق هذه المرأة على أن فيه مائة مؤجلة ، فإن كان أقل من مائتين لم ينقص منهما ، ويعطي مائة معجلة ومائة إلى أجل ، وإن زاد أعطيت الزائد معجلا ، واختلف في الزائد على الثلاثمائة هل يسقط أو يكون لها .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                في الجواهر : لا يجوز على حميل تعينه غائب ; لأنه إن لم يرض فلا نكاح ، وإن قال : إن لم يرض أتيت برهن أو بغيره ، جاز .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال صاحب البيان : إذا جعل عتقها صداقها منعه مالك ; لأنه نكاح بغير صداق ، ويفسخ قبل الدخول ، ويثبت بعده بصداق المثل ، قال : والأظهر أن فساده في عقده ; لأن اللفظ يقتضي وقوعهما معا ، والنكاح والملك لا يجتمعان ، وقيل : شرط عليها ما لا يلزمها بعد العتق ، فإن رضيت به بعد العتق جاز ، وإلا فلا نكاح ، ولا يحتاج إلى فسخ ، وقال ( ش ) : يجوز جعل عتقها صداقها ، وهي بالخيار ، فإن امتنعت فعليها قيمة نفسها ، وألزمها ابن حنبل النكاح إذا اتفقا على ذلك بخلاف إذا قال : أعتق على أن تتزوجي بي ، ويكون العتق صداقها فلا يلزم ; لأنه سلف في النكاح ، والنكاح لا سلف عليه ، ووافقنا ( ح ) في المنع ، وفي الصحيحين [ ص: 389 ] أنه - عليه السلام - جعل عتق صفية صداقها ، وجوابه : أنه خاص به - عليه السلام - كالموهوبة ، ويؤيده أن العقد إن وقع قبل العتق ناقضه الملك أو بعده امتنع الإجبار ، ولأن العتق إن تقرر لها حالة الرق تناقض ، أو حالة الحرية والصداق يتقدم تقديره قبل العقد ، فيقع العقد حالة امتناع الإجبار مجبرا ، وهو محال فيتعين اختصاصه به - عليه السلام - ( وقاله الرواة ما لم ير صداق ، ويكون نكاح تفويض أو بغير صداق ، وهو جائز له - صلى الله عليه وسلم - ) ، وفي التلقين : إن أعتق أمته على أن تتزوجه بعد العتق لم يلزمها ذلك ، وإن شرط أن عتقها صداقها لم يصح ، ولزمه الصداق .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال صاحب البيان : إذا أعطاها مالا فاستحق : فهل تمنعه من التمادي على وطئها حتى يوفيها حقها ؟ أربعة أقوال : له ذلك غرها أم لا ، الفرق بين أن يغرها ، أم لا ، يكره التمادي ، قاله محمد ، تمتنع حتى يعطي ربع دينار إن استحق جميعه ، وإلا فلا ، فإن تزوجها على بستان عشرة فدن فظهر خمسة ، قال ابن القاسم : لها قيمة الخمسة إن رضيت إمساكه ، ولو ردته فقيمة جميعه على أنه عشرة كالاستحقاق ، قال : والقياس أن لها الرد وصداق المثل أو التماسك ، ونصف صداق المثل قياسا على البيع .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال : إن تزوجها بمال حرام ، قال مالك : أخاف أن يكون زنا ; لأن الله تعالى يقول : ( أن تبتغوا بأموالكم ) ( النساء : 24 ) ، وهذا ليس ماله ، ولكني لا أقول ذلك .

                                                                                                                [ ص: 390 ] فرع

                                                                                                                قال اللخمي : إذا تزوجها على خل فوجد خمرا : فهو كظهور العيب ترده ، وترجع بمثله كالاستحقاق ، وقال سحنون : إذا تزوجها بعبد فظهر حرا فالنكاح فاسد لخلو العقد عن الصداق ، فإن تزوجها على أنه خمر فوجد خلا صح النكاح إن رضيا بالبقاء عليه ، وإن كره أحدهما لم يتم النكاح ، قال صاحب النكت : إذا قلنا بالمثل إذا وجدت خمرا فتلفت القلة غرم القيمة ، وكذلك إذا تزوجها بطعام معين على الكيل فاستحق أو شيء مما يؤكل أو يوزن بخلاف البيع ; لأن استحقاق المعين لا يفسخ النكاح ، وقال صاحب التنبيهات : رجوعها بمثل الخمر خلا إما بأن تغسل الجرة ثم تملأ أو تعرف ما تحمل من الماء ثم يكال مثله ، وقال ابن سحنون فيه القيمة كالجزاف ، وقال ابن عبد الحكم لها صداق المثل ; لأنه معدوم شرعا فهو كنكاح بغير شيء .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية