الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                النوع السادس : الصدقة ، ففي ( الكتاب ) : القائل : لله علي أن أهدي مالي ، أو مالي صدقة في سبيل الله ، أو أهدي ، أو حلف فحنث أجزأه الثلث ، وقاله ابن حنبل ، وإن سمى دارا أو دابة أو غيرهما أخرجه وإن أحاط بماله ، فكذلك إن سمى حرا ، ولو كان أكثر من ثلاثة أرباعه ما لم يقل الكل لما في الموطأ : أن أبا لبابة حين تاب الله عليه قال : يا رسول الله أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب ، وأجاورك وأنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى الرسول ؟ فقال [ ص: 90 ] له - عليه السلام - : ( يجزئك من ذلك الثلث ) فقوله - صلى الله عليه وسلم - يدل على أنه التزم الصدقة بجملة المال ; لأن الإجزاء فرع شغل الذمة ، فإذا عين شيئا أخرجه ; لأنه يجوز أن يدخل في ملكه ما لا يعلمه بالميراث ، والأصل الوفاء بالصيغة ، وفي الصحيحين : لا صدقة إلا عن ظهر غنى ، وابدأ بمن تعول . فتكون الصدقة بكل المال غير مطلوبة للشرع ، فلا تلزم بالنذر .

                                                                                                                فرع : قال صاحب ( تهذيب الطالب ) : إذا أخرج الثلث أنفق عليه من عنده كالزكاة ، وقيل : من الثلث . قال ابن يونس : هو كذلك إن قال : هدي ، وإن قال : صدقة ، وليس بالموضع مساكين . قال مالك : النفقة من الثلث أيضا ، ولو قال : الثلثان ، فلا خلاف أن النفقة من عنده قال : وينبغي أن لا فرق ; لأن من أوجب هديا فقد أوجب على نفسه إيصاله ، وروي عن عائشة - رضي الله عنها - : تلزمه في صدقة ماله كفارة يمين ، وعن ابن مسلمة : زكاة ماله ، وقال ابن نافع : من تصدق بمعين وهو ماله كله أخرج الثلث ، وروي عن مالك : إذا سمى أكثر من الثلث اقتصر على الثلث . قال صاحب ( البيان ) : وروي عن مالك : إن كان موسرا فالثلث ، وإلا فربع عشره ، أو معدما فكفارة يمين ، والحالف بصدقة ما يكتسبه أبدا فيحنث ، فلا شيء عليه اتفاقا ، فإن قيده بمدة أو بلدة فكذلك عند ابن القاسم ، وقال أيضا : يتصدق بالثلث ، وإذا قال : كل مال أملكه إلى كذا من الأجل صدقة ، فخمسة أقوال : ثلث ما يملكه الآن وما يملكه في المستقبل ، لابن عبد الحكم ، وثلث ماله الآن ، وجميع ما يملكه إلى ذلك الأجل لابن القاسم ، وثلث ما يملك الآن فقط ، وجميع ما سيملكه فقط ، ولا شيء عليه مطلقا ، ومنشأ الخلاف لفظ : أملكه [ ص: 91 ] هل هو موضوع للحال أو الاستقبال أو لهما ، وكله نقله النحاة ، وأما إذا نذر الصدقة بجميع ما يفيده إلى مدة ، أو في بلده أخرج ذلك قولا واحدا ؛ لقوله تعالى : ( أوفوا بالعقود ) ( المائدة : 1 ) وقوله تعالى : ( ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون ) ( التوبة : 75 ) الآية . قال : وإن كان لم ينص في كتابه على الفرق بين النذر واليمين ، والوجه : الفرق بينهما ، وفي ( الجواهر ) : قال سحنون : عين مالا : يخرج ما لا يضر به ، وفي ( الكتاب ) : الحالف يهدي عبده المعين وجميع ماله يهدي المعين ، وثلث باقي المال ، وكذلك الصدقة وغيرها ، ولو قال : فرسي ومالي في سبيل الله ، فليتصدق بثمن العبد في قوله : ( صدقة ) وفي السبيل يدفع الثمن لمن يغزو به من موضعه إن وجد ، وإلا يبعث به ، والفرس وآلة الحرب يبعثه بعينه ، فإن تعذر بعث بثمنه يجعل في مثل المبيع بخلاف ثمن الهدي يباع إذا لم يبلغ ، ويشترى بثمنها إبل ; لأن المقصود من الجميع الأكل ، وأما في قوله : صدقة ، فيبيع الجميع ، والسبيل هو الجهاد والرباط .

                                                                                                                تفريع : قال ابن يونس : قال ابن القاسم : إذا حنث مرة أخرى قبل إخراج الثلث أخرج الثلث وثلث الباقي ، ثم قال : يكفيه الثلث ، وبالأول أخذ محمد وأشهب . قال مالك : إذا حلف بصدقة ماله ثم زاد ماله فعليه ثلث ماله يوم الحلف ; لأنه الذي يتناوله السبب ، وإن نقص فثلثه يوم حنث ; لأنه الممكن ، وإذا حنث ثم نما ماله ، ثم حنث فنما ماله فعليه ثلث ماله ، ثم حنث فنما ماله أخرج ثلث ما معه الآن ; لأنه ثلث الأول وثلث الزيادات ، وإن لم يزد لم يخرج إلا ثلثا واحدا ، ولو حنث وماله مائة ثم حنث وهو سبعون ، ثم حنث وهو أربعون فعليه ثلث المائة إلا أن ينقص ما بيده عنه ، فلا شيء عليه غير ما بيده إلا أن يذهب بإتلافه أو أكله ، فيلزمه دينا عليه ، ولا يضمن بالتفريط في إخراجه . قاله مالك ; لأنه كالشريك ، وقال محمد : إن كان على حنث ضمن ما ذهب بسببه ، [ ص: 92 ] وإلا فلا ، وإذا أخرج الثلث ، فمن العين والدين وقيمة الكتابة ، وإن عجز المكاتب يوما وفي قيمة رقابهم فضل أخرج ثلثه ، ولا شيء في أم الولد ولا المدبر لتعذر بيعها ، وقال سحنون : يخرج ثلث قيمة خدمتهم ، فإن لم يخرج ثلثه حتى ضاع فلا شيء عليه ، فرط أم لا ، وقال سحنون : يضمن المفرط كالزكاة ، والفرق للمذهب : أن الحالف بالصدقة قيل : لا شيء عليه ، وقيل : كفارة يمين بخلاف الزكاة ، فإن لم يكن له يوم حلف مال ، فلا شيء عليه فيما يتجدد لعدم تناول السبب إياه ، وفي ( الجواهر ) : في ( الواضحة ) : إن حلف فحنث وقد زاد ماله ، إن كانت الزيادة بمتجر فلا يلزمه إخراج ثلثها ، أو بولادة أخرج ثلثها وثلث الأصل ، والقائل : كل ما أربحه في هذه السلعة صدقة . يجري على الخلاف في قوله : كل ما أكتسبه صدقة ، في مدة معينة أو بلدة ، وفي ( الكتاب ) : القائل : مالي في الكعبة أو رتاجها أو حطيمها ، فلا شيء عليه ; لأنها لا تنقض فتبنى . والرتاج الباب ، ومنه أرتج على الخطيب والقارئ بتخفيف الجيم : إذا انغلق دونه باب الكلام . فإن قال : في كسوة الكعبة أو طيبها ، دفع ثلث ماله للحجبة ، وإن قال : أضرب بمالي أو شيء بعينه حطيم الكعبة أو الركن ، فعليه حجة أو عمرة ، ولا شيء عليه في ماله ; لأن الضرب ليس بطاعة ، ويصحح لفظه بحسب الإمكان ، فيحمل على الوصول إليها للقربة المعتادة . قال الله تعالى : ( وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح ) ( النساء : 101 ) الآية . قال اللخمي : قال ابن حبيب : يتصدق بماله .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية