الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ابتُليتُ بكثرة الشهوة وذنوب الخلوات الكثيرة!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ابتُليتُ بكثرة الشهوة وذنوب الخلوات الكثيرة، وبعد أن أفعل هذه الذنوب أشعر بتأنيب ضمير شديد، وأنوي التوبة، ثم بعد يوم أرجع وأفعل الذنب نفسه، وأنوي التوبة مرةً أخرى، ثم أعود إليه من جديد.

وقد رأيتُ أكثر من مقطع يقول إن التخلص من هذه الذنوب يكون بالمحافظة على الصلاة، والإكثار من ذكر الله، لكن عندما أريد أن أصلي أو أفعل طاعةً أشعر بثقل شديد، كأن جبلًا وُضع على ظهري، وإذا صليتُ أجد الخشوع شديد الصعوبة، فأحاول ولكنني لا أقدر، ولا أعرف لماذا!

كما ابتُليتُ أيضًا بحب المردان -أي الشاب الصغير الذي لم تنبت له لحية ولا شارب، وكان شديد الوسامة-، وحاولتُ أن أتخلص من هذا الأمر، لكنني لم أستطع، وحاولتُ أن أتجاهلهم، ولكنني أجد صعوبةً في ذلك.

وابتُليتُ أيضًا بأنني كنتُ أكلم امرأةً عبر الهاتف، وكان يكثر بيننا الحديث غير اللائق، ثم عرفتُ أن ذلك حرام، فابتعدتُ عنها، لكن بعد أن ابتعدتُ عنها، أصبحتُ كلما رأيتُ امرأةً تعجبني أفكر في أمور غير لائقة، ووصل الأمر أحيانًا إلى أن تأتيني هذه الأفكار حتى تجاه بعض أهلي.

وأنا أريد التوبة من كل هذا، لكنني أشعر أنني لم أستطع، وقد دعوتُ ربي، وصليتُ، وحاولتُ أن أخشع في صلاتي، لكنني لا أقدر، ولا أعرف لماذا! وأشعر أحيانًا كأن قلبي قد مات، وأنه لا يخاف الله تعالى.

وقد حاولتُ بطرق كثيرة أن أتوب، ولكنني أعود إلى الذنب مرةً أخرى، ولا أعرف كيف أخرج من هذه الحال!

أرجو أن ترشدوني إلى الطريق الصحيح للتوبة والثبات عليها، وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ موسى حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلًا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يتوب عليك، ويطهر قلبك وبصرك، ويعينك على مجاهدة شهوتك، ويحبب إليك الإيمان والطاعة.

الأخ الكريم، ما ذكرته من ذنوب الخلوات، والنظر المحرم، والاسترسال في الشهوة، والحديث مع المرأة، أمور محرمة يأثم صاحبها، ويجب عليه التوبة الصادقة منها، ولا ينبغي تهوينها بحجة قوة الشهوة، فقد قال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ}.

ولو اتبعت تعاليم الإسلام، وجاهدت نفسك على الاستقامة؛ لوجدت الخير في ذلك، على أن أكبر الأخطاء بعد الوقوع في المعصية أن تنتقل من قولك: «أنا أذنب»، إلى قولك: «لا أستطيع التوبة، وقلبي مات». فباب التوبة لم يُغلق، وندمك، وخوفك، وطلبك الخلاص مما أنت فيه، يناقض استسلام القلب للمعصية، ولكي تخرج من هذه الدائرة، انتبه إلى الأمور التالية:

• أولًا: تكرار الذنب لا يمنع صحة التوبة، فإذا تبت اليوم توبةً صادقةً، وأنت عازم وقتها على ألَّا تعود، ثم غلبتك نفسك بعد ذلك فوقعت، فقد احتجت إلى توبة جديدة، ولا يعني هذا أن التوبة الأولى كانت كذبًا، فقد قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ}. والتواب هو كثير الرجوع إلى الله، فلا تجعل الشيطان يقول لك بعد السقوط: «لقد تبت عشر مرات، فلا فائدة من الحادية عشرة».

• ثانيًا: لا تنتظر الخشوع حتى تصلي، بل صلِّ حتى يأتي الخشوع، فالصلاة فريضة، سواء وجدت لذتها أم لم تجدها، والثقل الذي تشعر به لا يسقطها عنك، وقد تكون مجاهدتك لنفسك، والقيام للصلاة وهي ثقيلة عليك، من أعظم ما تحتاج إليه الآن، فتوضأ وصلِّ في أول الوقت، ولو كان قلبك مشتتًا، ولا تعد الصلاة مرارًا بحثًا عن خشوع كامل.

• ثالثًا: التوبة ليست مشاعر فقط، بل تحتاج إلى هدم البيئة التي تولد الذنب، فإذا كانت الخلوة بالهاتف هي الباب، فلا تدخل غرفتك به في أوقات ضعفك، وإذا كانت هناك مواقع، أو حسابات، أو صور، فاحذفها واحجبها، وإذا كان الليل وقت سقوطك، فلا تسهر وحدك، ولا تقل: «سأجلس أمام الفتنة ثم أقاوم»، بل اهرب من أسبابها قبل أن تشتد الشهوة.

• رابعًا: أما تعلقك بالنظر إلى المردان ومن تستحسن صورهم، فلا تسترسل معه، ولا تحوله إلى سؤال دائم عن حقيقة ميولك أو قلبك، فما دام النظر يحرك شهوتك، فحكمك واضح، غض بصرك، ولا تتعمد التحديق والاستمتاع، وإذا وقع بصرك من غير قصد، فاصرفه وامضِ، ولا تعد بعدها لتحليل ما شعرت به.

• خامسًا: أما ما ذكرت من ورود أفكار شهوانية عليك عند رؤية بعض النساء، بل وقد تأتيك أحيانًا تجاه بعض محارمك، فلا تحكم على نفسك بمجرد هذه الأفكار، فما يرد على القلب بغير اختيار الإنسان لا يؤاخذ عليه ما دام يكرهه، ولا يتعمد استحضاره، ولا يسترسل معه، وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ». فإذا جاءك خاطر محرم، فاصرف ذهنك عنه، ولا تناقشه، ولا تسترسل في تخيله، أما تعمد استحضار هذه الصور، والاستمتاع بها، والاستمرار فيها، فهو الذي يجب عليك مجاهدته وقطعه.

• سادسًا: لقد أحسنت بقطع الحديث المحرم مع المرأة، فلا تعد إليه بحجة أنك ما زلت تعاني من الشهوة بعد تركه، فالتوبة من باب لا تعني أن الشهوة كلها ستختفي فورًا، بل قد تحتاج إلى مدة حتى يهدأ ما اعتادت عليه النفس.

• سابعًا: أكثر من الصيام إن كنت تستطيع، فقد قال النبي ﷺ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ... وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». وإذا كنت قادرًا على الزواج، فاسع إليه، مع ممارسة الرياضة، والصحبة الصالحة، وتقليل الفراغ، والنوم المبكر؛ فالشهوة تقوى كثيرًا مع الفراغ والعزلة.

• ثامنًا: لا تبدأ ببرنامج عبادي ضخم ثم تنهار، بل أصلح الفرائض أولًا، الصلوات الخمس في أوقاتها، وأذكار الصباح والمساء بقدر ما تستطيع المداومة عليه، وصفحات قليلة من القرآن كل يوم، وصيام ما تستطيع، فإذا ثبت هذا فزد عليه، فقد قال النبي ﷺ: «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ».

وأمَّا قولك: «قلبي قد مات؛ لا يخاف الله»، فلا تتعجل في الحكم على قلبك، فالقلب الميت لا يؤلمه الذنب على هذا النحو، ولا يبحث صاحبه عن طريق للرجوع. أنت تعاني من قلب أضعفته المعصية، والشهوة، وكثرة السقوط، وعلاجه ليس اليأس منه، وإنما إحياؤه بالطاعة، وترك أسباب الذنب، وكثرة الرجوع إلى الله.

وما تجد من شدة الشهوة ومجاهدة النفس هو من الابتلاء، ولك في مقاومتها وترك الحرام لله أجر عظيم، ولا يعني تكرر سقوطك أن الله قد تركك، أو لا يريد توبتك، فقد دعاك سبحانه بنفسه فقال: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.

ابدأ اليوم بأشياء محددة، اقطع كل علاقة محرمة، واحذف أبواب الإثارة من هاتفك، وصلِّ كل فريضة في وقتها مهما كان خشوعك، ولا تنفرد بالأجهزة في أوقات ضعفك، وأكثر من الصيام، واملأ يومك بالعمل، والرياضة، والقرآن، والصحبة الصالحة.

وإذا سقطت، فلا تجعل السقوط بداية أسبوع من المعصية، بل قم في اللحظة نفسها، وتوضأ، واستغفر، وتب، وأكمل الطريق، ونكرر عليك أهمية الصحبة الصالحة؛ فهي من أكثر ما يعينك على الطاعة، مع ترك الفراغ؛ لأنه مفسد لك ولقلبك.

نسأل الله أن يتوب عليك توبةً نصوحًا، ويغفر لك ذنوب الخلوات، ويطهر قلبك وبصرك، ويحصن فرجك، ويحبب إليك الصلاة والقرآن، ويرزقك خشوعًا وعفةً، ويقويك كلما ضعفت، ويرزقك زوجةً صالحةً تعفك، ويبدل سيئاتك حسنات، والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً