الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              3448 3648 - حدثني إبراهيم بن المنذر، حدثنا ابن أبي الفديك، عن ابن أبي ذئب،

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 225 ] عن المقبري عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله، إني سمعت منك كثيرا فأنساه. قال: " ابسط رداءك". فبسطت فغرف بيده فيه، ثم قال: "ضمه" فضممته، فما نسيت حديثا بعد. [انظر: 118- مسلم: 2492- فتح: 6 \ 633]

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              ذكر فيه تسعة أحاديث:

                                                                                                                                                                                                                              أحدها:

                                                                                                                                                                                                                              حديث أنس- رضي الله عنه- أن رجلين من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- خرجا من عند النبي- صلى الله عليه وسلم- في ليلة مظلمة ومعهما مثل المصباحين، يضيئان بين أيديهما، فلما افترقا صار مع كل واحد منهما واحد حتى أتى أهله.

                                                                                                                                                                                                                              هذا الحديث سبق في أحكام المساجد، واتفق إيراد البخاري هناك باتحاد المتن والسند، وهو قليل، وهي كرامة لهما لصحبتهما النبي- صلى الله عليه وسلم- لخروجهما من عنده.

                                                                                                                                                                                                                              الحديث الثاني:

                                                                                                                                                                                                                              حديث المغيرة بن شعبة- رضي الله عنه- أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يزال ناس من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون".

                                                                                                                                                                                                                              وهذا الحديث يأتي في الاعتصام إن شاء الله تعالى.

                                                                                                                                                                                                                              الحديث الثالث:

                                                                                                                                                                                                                              حديث عمير بن هانئ، أنه سمع معاوية، سمعت النبي- صلى الله عليه وسلم-: "لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك". قال عمير: فقال مالك بن يخامر: قال معاذ: وهم بالشأم. فقال معاوية: هذا مالك يزعم أنه سمع معاذا يقول: وهم بالشام. ويأتي في التوحيد.

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 226 ] وشيخ البخاري الأول : عبد الله بن أبي الأسود وهو ابن محمد بن أبي الأسود، حميد بن الأسود أبو بكر البصري الحافظ ابن أخت عبد الرحمن بن مهدي قاضي همدان، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وهو من أفراد البخاري عن مسلم.

                                                                                                                                                                                                                              وفي إسناد الثاني : ابن جابر، وهو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الشامي، أخو يزيد بن يزيد، وعبد الرحمن الأكبر، مات سنة ثلاث وخمسين ومائة.

                                                                                                                                                                                                                              قال الداودي: في قول معاذ لعله ذكر الشام في حديث آخر ثم ذكر هذا ليبين أنه لا تكون الظاهرة إلا بالشام.

                                                                                                                                                                                                                              وقوله: ("حتى يأتي أمر الله") يعني: القيامة.

                                                                                                                                                                                                                              وقال البخاري في موضع آخر: هم أهل العلم، وقيل: هي ظاهرة بالمغرب، وفي مسلم عن سعد بن أبي وقاص مرفوعا: "لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة"، والشام غير الغرب; لأن الشام من المدينة، ومكة ليست من الغرب بين اليمن والشام، وحديث مالك بن يخامر لم يرفعه، وحديث سعد مرفوع.

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 227 ] الحديث الرابع:

                                                                                                                                                                                                                              حدثنا علي بن عبد الله-هو ابن المديني- ثنا سفيان- وهو ابن عيينة- ثنا شبيب بن غرقدة قال: سمعت الحي يحدثون، عن عروة أن النبي- صلى الله عليه وسلم- أعطاه دينارا يشتري به شاة، (فاشترى له به شاتين)، فباع إحداهما بدينار وجاءه بدينار، وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه. قال سفيان: كان الحسن بن عمارة جاءنا بهذا الحديث عنه، قال: سمعه شبيب بن غرقدة، من عروة فأتيته، فقال شبيب: إني لم أسمعه من عروة، قال: سمعت الحي يخبرونه عنه. ولكن سمعته يقول: سمعت النبي- صلى الله عليه وسلم- يقول: "الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة". قال: وقد رأيت في داره سبعين فرسا. قال سفيان: يشتر له شاة كأنها أضحية.

                                                                                                                                                                                                                              هذا الحديث ذكره البخاري هنا كذلك، وذكر حديث الجبل مقتصرا عليه في الجهاد وفيه جهالة الحي كما ترى، فهو غير متصل، والشافعي توقف فيه، في بيع الفضولي، فقال: إن صح.

                                                                                                                                                                                                                              قلت: به كذا في البويطي، وحكى المزني عن الشافعي أنه حديث ليس بثابت عنده، قال

                                                                                                                                                                                                                              البيهقي: وإنما ضعفه; لأن شبيب بن غرقدة رواه عن الحي، وهم غير معروفين، وقال في موضع آخر: وإنما قال الشافعي: لما في إسناده من الإرسال، وهو أن شبيب بن غرقدة لم يسمعه من عروة البارقي، إنما سمعه من الحي يخبرونه عنه، وقال في موضع آخر: الحي الذي أخبر شبيب بن غرقدة عن عروة، لا أعرفهم،

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 228 ] وليس هذا من شرط أصحاب الحديث في قول الأخيار، ولهذا قال الخطابي: إنه خبر غير متصل; لأن الحي حدثوه عن عروة، وكان سبيله من الرواة لم تقم به الحجة.

                                                                                                                                                                                                                              وقال الشافعي في "الأم": قد روى هذا الحديث (غير) سفيان بن عيينة عن شبيب فوصله ويرويه عن عروة بمثل هذه القصة أو معناها.

                                                                                                                                                                                                                              ولعله يشير إلى رواية سعيد بن زيد أخي حماد بن زيد في الدارقطني وهو من رجال مسلم، واستشهد به البخاري، وثقه جماعة، وضعفه يحيى القطان.

                                                                                                                                                                                                                              وقال المنذري في "اختصاره للسنن": تخريج البخاري لهذا الحديث في صدر حديث: "الخير معقود بنواصي الخيل" يحتمل أن يكون سمعه من علي بن المديني على التمام فحدث به كما سمعه، وذكر فيه إنكار شبيب سماعه من عروة حديث الشاة، وإنما سمعه من الحي عن عروة، وإنما سمع من عروة قوله- صلى الله عليه وسلم-: "الخير معقود بنواصي الخيل"، ويشبه أن الحديث لو كان على شرطه لأخرجه في البيوع والوكالة كما جرت عادته في الحديث الذي يشتمل على أحكام أن يذكره في

                                                                                                                                                                                                                              الأبواب التي تصلح له، ولم يخرجه إلا هنا، وذكر بعده حديث الخيل من رواية ابن عمر وأنس وأبي هريرة، فدل ذلك أن مراده حديث الخيل فقط إذ هو على شرطه، وقد أخرج مسلم حديث شبيب بن غرقدة

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 229 ] مقتصرا على ذكر الخيل، ولم يذكر حديث الشاة.

                                                                                                                                                                                                                              وذكره ابن حزم في "محلاه" من طريق ابن أبي شيبة عن سفيان عن شبيب عن عروة (ومن طريق أبي داود) وأخرجه أيضا الترمذي وابن ماجه، ثم قال: أحد طريقيه سعيد بن زيد، وهو ضعيف وقد أسلفنا من وثقه وفيه أيضا أبو لبيد لمازة بضم اللام ابن زبار بفتح الزاي، وتشديد الباء الموحدة وليس بمعروف العدالة.

                                                                                                                                                                                                                              قلت: بلى ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية، وقال: سمع من علي، وكان ثقة، وقال آخر: صالح الحديث، وأثنى عليه ثناء حسنا.

                                                                                                                                                                                                                              فائدة:

                                                                                                                                                                                                                              عروة هذا ابن عياض بن أبي الجعد البارقي نسبة إلى بارق، جبل باليمن نزله بنو سعد بن عدي بن حارثة بن عمرو مزيقيا فسموا به، ومن قال فيه: عروة بن الجعد كما قاله غندر فقد وهم، قاله ابن المديني، استعمله عمر- رضي الله عنه- على قضاء الكوفة قبل شريح، وفي الصحابة والتابعين خلق على هذا النمط، فمن الصحابة أوس بن أوس الثقفي، ويقال فيه: ابن أبي أوس، وبشر بن أرطأة، ويقال فيه: ابن أبي أرطأة، وغير ذلك.

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 230 ] فصل:

                                                                                                                                                                                                                              سلف تفسير حديث: "الخير معقود بنواصي الخيل" في الجهاد واضحا.

                                                                                                                                                                                                                              وأما فقه حديث عروة فإذا وكل في شراء شاة بدينار فاشترطا شاتين بدينار، كل واحدة منهما أو إحداهما مساوية لدينار، فيقع الشراء للموكل، وفي تصرف الفضولي للشافعي قولان: أظهرهما على البطلان، وثانيهما: موقوف إن أجاز مالكه، بعذر وإلا فلا; تعلقا بهذا الحديث، وهو مشهور مذهب مالك وأبي حنيفة وإسحاق، واختلف قول المالكية فيما إذا أمر بشراء سلعة فوجد سلعتين من صفة ما أمر به، وفيهما ما أمر به وأخذ، وقدر على شراء واحدة بحصتها من الثمن، فقال ابن القاسم: الآمر مخير إن شاء أخذ واحدة بحصتها من الثمن، ويرجع ببقية الثمن على المأمور، وإن شاء أخذهما جميعا، وقال أصبغ عند ابن حبيب: يلزمان الآمر جميعا، وقال عبد الملك في "مبسوطه": إن شاء الآمر أخذهما جميعا أو تركهما جميعا.

                                                                                                                                                                                                                              الحديث الخامس:

                                                                                                                                                                                                                              حديث ابن عمر- رضي الله عنهما- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة".

                                                                                                                                                                                                                              وقد سلف كما قلنا في الجهاد.

                                                                                                                                                                                                                              الحديث السادس أيضا وفيه أبو التياح واسمه: يزيد بن حميد، وشيخه فيه: قيس بن حفص بن القعقاع أبو محمد البصري الدارمي مولاهم، من أفراده، وقال: مات سنة تسع وعشرين ومائتين،

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 231 ] أو نحوها، وقال غيره: سنة سبع، وليس في شيوخهم من اسمه قيس سواه، وشيخ قيس خالد بن الحارث بن عبيد أبو عثمان الهجيمي البصري، مولده سنة سبع عشرة ومائة، ومات سنة ست وثمانين.

                                                                                                                                                                                                                              الحديث السابع:

                                                                                                                                                                                                                              حديث أبي هريرة- رضي الله عنه-: "الخيل لثلاثة: رجل" الحديث. سلف في الجهاد أيضا.

                                                                                                                                                                                                                              الحديث الثامن:

                                                                                                                                                                                                                              حديث أنس بن مالك- رضي الله عنه-: صبح رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خيبر بكرة وقد خرجوا بالمساحي، فلما رأوه قالوا محمد والخميس. وأحالوا إلى الحصن يسعون، فرفع النبي- صلى الله عليه وسلم- يديه وقال: "الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين".

                                                                                                                                                                                                                              هذا الحديث سلف في الجهاد، في باب التكبير عند الحرب.

                                                                                                                                                                                                                              ومعنى ("خربت"): ستخرب في توجهنا، هذا وقد وقع ذلك، و(أحالوا): بالحاء المهملة، أقبلوا هاربين إليه، قال أبو عبيد: يقال: أحال الرجل إلى مكان كذا تحول إليه، وقال الخطابي: حلت عن المكان تحولت عنه أيضا.

                                                                                                                                                                                                                              ورواه بعضهم عن أبي ذر بالجيم، وليس بالشيء، إلا أن يكون من أجال الشيء أطاف به، وجال به أيضا وهو بعيد، وعليه اقتصر ابن التين، حيث قال عن أبي الهيثم: يقال أجال الرجل إذا تحول من

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 232 ] شيء إلى شيء، وقال ابن فارس: حال الرجل إلى مكان آخر إذا تحول.

                                                                                                                                                                                                                              الحديث التاسع:

                                                                                                                                                                                                                              حديث أبي هريرة- رضي الله عنه-: يا رسول الله، إني أسمع منك حديثا فأنساه. الحديث.

                                                                                                                                                                                                                              سلف في باب حفظ العلم بالعلم من كتاب العلم، وفيه: ابن أبي فديك، وهو أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك دينار المدني مولاهم مات سنة مائتين أو سنة تسع وتسعين، أو إحدى ومائتين.

                                                                                                                                                                                                                              وفيه ابن أبي ذئب، وهو أبو الحارث محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب هشام العامري مات سنة تسع وخمسين ومائة بالكوفة، وكان مولده عام الجحاف سنة ثمانين أو إحدى وثمانين.

                                                                                                                                                                                                                              وفيه: من أعلام نبوته إخباره بما يكون.




                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية