الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر استيلاء لشكري على أذربيجان وقتله

وفيها تغلب لشكري بن مردى على أذربيجان ، ولشكري هذا أعظم من الذي تقدم ذكره ، فإن هذا كان خليفة وشمكير على أعمال الجبل ، فجمع مالا ورجالا وسار إلى أذربيجان ، وبها يومئذ ديسم بن إبراهيم الكردي ، وهو من أصحاب ابن أبي الساج ، فجمع عسكرا وتحارب هو ولشكري ، ( فانهزم ديسم ، ثم عاد وجمع ) ، وتصافا ( مرة ثانية ) ، فانهزم أيضا واستولى لشكري على بلاده إلا أردبيل ، فإن أهلها امتنعوا بها لحصانتها ، ولهم بأس ونجدة ، وهي دار المملكة بأذربيجان ، فراسلهم لشكري ، ووعدهم الإحسان لما كان يبلغهم من سوء سيرة الديلم مع بلاد الجبل همذان وغيرها ، فحصرهم وطال الحصار ، ثم صعد أصحابه السور ونقبوه أيضا في عدة مواضع ودخلوا البلد .

وكان لشكري يدخله نهارا ، ويخرج منه ليلا إلى عسكره ، فبادر أهل البلد وأصلحوا ثلم السور ، وأظهروا العصيان ، وعاودوا الحرب ، فندم على التفريط وإضاعة الحزم ، فأرسل أهل أردبيل إلى ديسم يعرفونه الحال ويواعدونه يوما يجيء فيه ليخرجوا فيه إلى [ ص: 75 ] قتال لشكري ، ويأتي هو من ورائه ، ففعل وسار نحوهم ، وظهروا يوم الموعد في عدد كثير ، وقاتلوا لشكري ، وأتاه ديسم من خلف ظهره ، فانهزم أقبح هزيمة ، وقتل من أصحابه خلق كثير ، وانحاز إلى موقان ، فأكرمه أصبهبذها ويعرف بابن دولة ، ( وأحسن ضيافته .

وجمع لشكري وسار نحو ديسم ، وساعده ابن دولة ) ، فهرب ديسم ( وعبر نهر أرس ، وعبر بعض أصحاب لشكري إليه ، فانهزم ديسم ) ، وقصد وشمكير ، وهو بالري ، وخوفه من لشكري ، وبذل له مالا كل سنة ليسير معه عسكرا ، فأجابه إلى ذلك وسير معه عسكرا ، وكاتب عسكر لشكري وشمكير يعلمونه بما هم عليه من طاعته ، وأنهم متى رأوا عسكره صاروا معه على لشكري ، فظفر لشكري بالكتب ، فكتم ذلك عنهم ، فلما قرب منه عسكر وشمكير ، جمع أصحابه وأعلمهم ذلك وأنه لا يقوى بهم ، وأنه يسير بهم نحو الزوزان ، وينهب من على طريقه من الأرمن ، ويسير نحو الموصل ويستولي عليها وعلى غيرها ، فأجابوه إلى ذلك ، فسار بهم إلى أرمينية وأهلها غافلون ، فنهب وغنم وسبى ، وانتهى إلى الزوزان ومعهم الغنائم ، فنزل بولاية إنسان أرمني ، وبذل له مالا ليكف عنه وعن بلاده ، فأجابه إلى ذلك .

ثم إن الأرمني كمن كمينا في مضيق هناك ، وأمر بعض الأرمن أن ينهب شيئا من أموال لشكري ويسلك ذلك المضيق ، ففعلوا ، وبلغ الخبر إلى لشكري ، فركب في خمسة أنفس ، فسار وراءهم ، فخرج عليه الكمين فقتلوه ومن معه ، ولحقه عسكره ، فرأوه قتيلا ومن معه ، فعادوا وولوا عليهم ابنه لشكرستان ، واتفقوا على أن يسيروا على عقبة التنين ، وهي تجاوز الجودي ، ويحرزوا سوادهم ، ويرجعوا إلى بلد طرم الأرمني فيدركوا آثارهم ، فبلغ ذلك طرم ، فرتب الرجال على تلك المضايق يرمونهم بالحجارة ، ويمنعونهم العبور ، فقتلوا منهم خلقا كثيرا ، وسلم القليل منهم ، وفيمن سلم لشكرستان ، وسار فيمن معه إلى ناصر الدولة بن حمدان بالموصل ، فأقام بعضهم عنده وانحدر بعضهم إلى بغداذ .

[ ص: 76 ] فأما الذين أقاموا بالموصل ، فسيرهم مع ابن عم أبي عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان إلى ما بيده من أذربيجان لما أقبل نحوه ديسم ( ليستولي عليه ) ، وكان أبو عبد الله من قبل ابن عمه ناصر الدولة على معاون أذربيجان ، فقصده ديسم وقاتله ، فلم يكن لابن حمدان به طاقة ، ففارق أذربيجان ، واستولى عليها ديسم .

التالي السابق


الخدمات العلمية