الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

صفحة جزء
[ ص: 158 ] فالرواية الواحدة عن أحمد وهي قول طائفة أنه يقال: «رآه» ولا يقال: «بعينه ولا بقلبه» كما في مسائل الأثرم، قال: «سمعت أبا عبد الله قال له رجل عن حسن الأشيب قال: لم ير النبي صلى الله عليه وسلم ربه تبارك وتعالى، قال: فأنكره إنسان عليه، فقال: لم لا تقول: رآه ولا تقول: بعينه ولا بقلبه، كما جاء في الحديث «أنه رآه» قال رجل: فاستحسن ذلك الأشيب، قال أبو عبد الله: هذا حسن، قال: وسمعت أبا عبد الله قال: فأما من قال: إنه لا يرى في الآخرة فهو جهمي».

[ ص: 159 ] وأما من تكلم في رؤية الدنيا فقال عكرمة: «رآه» وقال الحسن: «رآه» وقال سعيد بن جبير: «لا أقول رآه ولا لم يره» وقالت عائشة: «من زعم أن محمدا رأى ربه فقد كذب» قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: إلى أي شيء تذهب من هذا؟ فقال: قال الأعمش عن زياد بن الحصين عن أبي العالية عن ابن عباس: رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه بقلبه [ ص: 160 ] مرتين» وحديث الأثرم: حدثنا محمد بن الصباح، حدثنا هشيم، ثنا منصور، عن الحكم، عن يزيد بن شريك، عن [ ص: 161 ] أبي ذر قال: «رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه بقلبه».

وروى الخلال: حدثنا محمد بن الهيثم، حدثنا عمرو بن عون، أنا هشيم، عن منصور، عن الحكم، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر: ولقد رآه نزلة أخرى [النجم: 13] قال: «رآه بقلبه [ ص: 162 ] ولم يره بعينه».

وقال ابن خزيمة: حدثنا زياد بن أيوب قال: حدثنا هشيم، أنا منصور، عن الحكم، عن يزيد بن شريك، عن أبي ذر قال: «رآه بقلبه ولم يره بعينه».

فجواب الإمام أحمد يقتضي أنه استحسن كلام من أطلق القول بأنه رآه ولم يقيده بعينه ولا بقلبه، ولكن لا يقتضي أنه منع من التقييد بأحدهما، بدليل أن الأثرم لما سأله: إلى أي شيء تذهب في هذا؟ ذكر الرواية المقيدة بالقلب، ولكن من أصحاب أحمد من جعل هذا رواية عنه، أنه يطلق الرؤية ولا يقيد بأحدهما.

ولكن فرق بين السكوت عن التقييد وبين المنع من التقييد، فإن كان أحد يظن أن أحمد منع من التقييد فليس كذلك، وإن قال: إنه استحسن الإطلاق، فهذا حسن، وحينئذ فلا يكون روايتين بل رواية واحدة تضمنت جواز الإطلاق والتقييد [ ص: 163 ] بالقلب، لكن لم ير إطلاق نفي الرؤية؛ لأن نفيها يشعر بنفي الأمرين جميعا، وإن كان من النفاة من لا ينفي إلا رؤية العين، وهذا الذي أجاب به أحمد من حديث ابن عباس الذي رواه مسلم في صحيحه عن زياد بن الحصين، عن أبي العالية البراء، عن ابن عباس: « ما كذب الفؤاد ما رأى ، ولقد رآه نزلة أخرى [النجم: 11 ، 13] قال: رآه بفؤاده مرتين».

وروى مسلم في صحيحه أيضا عن عبد الملك، عن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: «رآه [ ص: 164 ] بقلبه يعني قوله: ولقد رآه نزلة أخرى [النجم: 13] ».

وأما حديث أبي ذر: فقد رواه مسلم في صحيحه عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق العقيلي، عن أبي ذر قال: «سألت النبي صلى الله عليه وسلم: هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه».

وأما ما يرويه بعض العامة أن أبا بكر سأله فقال: «رأيته» وأن عائشة سألته فقال: «لم أره» فهو كذب باتفاق أهل العلم، ولم يكن عند عائشة في هذا حديث مرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما [ ص: 165 ] تكلمت في ذلك بالرأي والتأويل لا بحديث كان عندها.

وسيأتي أن أبا عبد الله رد قول عائشة بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «رأيت ربي» وسنبين إن شاء الله اتفاق المرفوع في ذلك، فإن كان أبو ذر عنى هذا -ومع هذا- فقد رووا عنه بذلك الإسناد الآخر الجيد عن يزيد بن شريك، عن أبي ذر قال: «رأى محمد ربه بقلبه» دل ذلك على أن ما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينف رؤية القلب التي أثبتها، بل إما أن يكون دل عليها أو لم يدل على عدمها، وأبو ذر أحق من رجع إليه في هذه المسألة؛ لأنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عنها وهو من أجل الصحابة رضي الله عنهم؛ فلهذا اعتمد الإمام أحمد على ما رواه عنه، وعن ابن عباس.

والأثرم من أعلم أصحاب أبي عبد الله، وأذكاهم وأعرفهم بالحديث والفقه، وحديث أبي ذر المرفوع قد تنازعوا فيه: هل مقتضاه إثبات الرؤية أو نفيها؟ فلذلك لم يحتج به أحمد.

قال أبو بكر بن خزيمة: «وقد روي عن أبي ذر خبر قد اختلف علماؤنا في تأويله؛ لأنه روي بلفظ يحتمل النفي [ ص: 166 ] والإثبات جميعا» وذكر الحديث، ثم قال: «وقوله: نور أنى أراه» يحتمل معنيين، أحدهما: نفي، أي: كيف أراه وهو نور؟!

والمعنى الثاني: أي: كيف رأيته، وإني رأيته وهو نور، فهو نور لا تدركه الأبصار إدراك ما تدرك الأبصار من المخلوقين، كما قال عكرمة -يعني عن ابن عباس-: «إن الله إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء» قال: والدليل على صحة هذا التأويل الثاني أن إمام أهل زمانه في العلم والأخبار محمد بن بشار بندارا حدثنا بهذا الخبر قال: حدثنا معاذ بن هشام، حدثني [ ص: 167 ] أبي، عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق قال: «قلت لأبي ذر لو رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لسألته، فقال: عن أي شيء كنت تسأله؟ فقال: كنت أسأله: هل رأيت ربك؟ فقال أبو ذر: قد سألته، فقال: رأيت نورا» وهذه الطريق التي ذكرناها هي من رواية هشام الدستوائي، عن قتادة، واللفظ الأول هو من طريق يزيد بن إبراهيم التستري عن قتادة، وبعضهم يقول: «نور» بالرفع [ ص: 168 ] ورواه ابن خزيمة من غير وجه بالنصب، قال ابن خزيمة: ويجوز أن يكون معنى خبر أبي ذر: «رأيت نورا» قال: فلو كان معنى قول أبي ذر من رواية يزيد بن إبراهيم التستري «أنى أراه» على نفي معنى الرؤية، فمعنى الخبر أنه نفى رؤية الرب؛ لأن أبا ذر قد ثبت عنه أنه أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى ربه بقلبه: حدثنا أحمد بن منيع غير مرة قال: ثنا هشيم، أنا منصور -وهو ابن زاذان- عن الحكم بن يزيد الرشك، عن أبي ذر في قوله: ولقد رآه نزلة أخرى [النجم: 13] قال: «رآه بقلبه» يعني النبي صلى الله عليه وسلم.

حدثنا أبو هاشم [ ص: 169 ] زيادة بن أيوب قال: حدثنا هشيم فذكر بإسناده عن أبي ذر قال: «رآه بقلبه ولم يره بعينه». وكذلك نقل حنبل عن الإمام أحمد، كما رواه عنه الخلال قال: قلت لأبي عبد الله: النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه؟ قال: «رؤيا حلم رآه بقلبه».

وكان أبو عبد الله تارة يحكي تنازع السلف في رؤية محمد صلى الله عليه وسلم في الدنيا، كما روى الخلال عن جعفر بن محمد، حدثني أبو عبد الله قال: قرأت على أبي قرة الزبيدي، عن أبي جريج [ ص: 170 ] أخبرني عطاء أنه سمع ابن عباس يقول: رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه بقلبه مرتين، قلت: يا أبا عبد الله عائشة تقول: لم يره، وأظن أني قلت له: وأبو ذر قال: قد اختلفوا في رؤية الدنيا ولم يختلف في رؤية الآخرة إلا هؤلاء الجهمية، قلت: تعيب على من يكفرهم؟ قال: لا، قلت: فيكفرون؟ قال: نعم.

وذكر الخلال هذه المسألة والجواب عنها في موضع آخر من السنة، وقال: فذكر مثل مسألة حبيش سواء، وقد ذكر قبل ذلك مسألة حبيش [ ص: 171 ] وهذه الرواية يحتمل أنه إنما حكى الاختلاف في رؤية العين؛ لأنها هي التي تتظاهر الجهمية بإنكارها، وهو ظاهر حديث عائشة وأبي ذر المرفوع، ويحتمل أنه حكى الخلاف في رؤية القلب أيضا؛ لأن حديث ابن عباس الذي عارضه السائل بقول عائشة إنما فيه رؤية القلب، ويحتمل أنه حكى الخلاف مطلقا؛ لتقابل الروايات بالإثبات والنفي، يؤيد ذلك أن الخلال جعل الجواب هنا كالجواب في مسألة حبيش بن سندي، فروى الخلال عن حبيش بن سندي أن أبا عبد الله سئل عن حديث ابن عباس أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه، فقال: بعضهم يقول: بقلبه، فقيل له: أيما أثبت عندك؟ فقال: في رؤية الدنيا قد اختلفوا فيها، وأما في رؤية الآخرة فلم يختلف فيها إلا هؤلاء الجهمية، قيل له: تعيب على من يكفرهم؟ قال: لا، قيل: فيكفرون؟ قال: نعم.

ففي هذا الجواب أنهم سألوه عما يروى عن ابن عباس من إطلاق الرؤية، فقال بعض الرواة: يقيدها بالقلب، ولما سئل: أيما أثبت عندك لم يجزم بأحد الطرفين، لكن ذكر أن السلف تنازعوا في ذلك، ولم يتنازعوا في رؤية الآخرة، فيحتمل [ ص: 172 ] أنهم تنازعوا هل «رآه بقلبه» أم لا، ويحتمل أنهم تنازعوا في إثبات الرؤية مطلقا ومقيدا، وفي إطلاق نفيها، ولكن استقر أمره على إثبات ما ورد في ذلك من الأحاديث الثابتة، والرد على من نفى موجبها.

قال الخلال: أنا أبو بكر المروذي قال: قرأت على أبي عبد الله: وأبنا عبد الله بن أحمد قال: قرأت على أبي قرة الزبيدي، عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء أنه سمع ابن عباس يقول: «رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه مرتين» زاد عبد الله بن أحمد: ثنا نصر بن علي قال: حدثنا أشعث بن عبد الله، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عبد الله بن [ ص: 173 ] الحارث، عن كعب قال: «إن الله تعالى قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى صلى الله عليهما وسلم فرآه محمد مرتين وكلمه موسى مرتين».

أخبرنا المروذي: عن أبي عبد الله، عن وكيع، ثنا عباد الناجي، سمعت عكرمة يقول: «نعم رأى محمد صلى الله عليه وسلم [ ص: 174 ] ربه» حتى انقطع نفسه.

وأخبرنا المروذي عن أبي عبد الله، عن يزيد بن عباد، قال: سألت الحسن وعكرمة عن قول الله تعالى: والنجم إذا هوى [النجم: 1] قالا: إذا غاب، فذكر الحديث ثم دنا فتدلى [النجم: 8].

قال الحسن: «هو ربي» فكان قاب قوسين أو أدنى [النجم: 9] فقلت: يا أبا سعيد: هل شاهده؟ قال: نعم، فقرأها حتى بلغ لقد رأى من آيات ربه الكبرى [النجم: 18] فتلكأ الحسن وقال: رأى عظمة ربه ورأى أشياء، فقال عكرمة: ما تريد؟ قال: أريد أن تبين لي، فقال: «قد رآه ثم رآه».

التالي السابق


الخدمات العلمية