الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

صفحة جزء
قلت: فأما إثباته الرؤية بسورة (والنجم) فقد نوزع فيه [ ص: 311 ] أيضا. وأما أبو ذر فقد تقدم قوله: «رآه بفؤاده ولم يره بعينه». وأما أنس بن مالك فقد روى من حديث شعبة، عن قتادة، عن أنس قال: «رأى محمد ربه» ورواه ابن خزيمة فقال: حدثنا إبراهيم بن عبد العزيز المقوم، حدثنا أبو بحر البكراوي عبد الرحمن بن عثمان، عن شعبة. وكذلك رواه ابن أبي عاصم: حدثنا عمرو بن عيسى الضبعي، حدثنا أبو بحر البكراوي، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك «أن محمدا قد رأى ربه تبارك وتعالى».

وكذلك رواه الطبراني فقال: حدثنا زكريا الساجي، حدثنا عمرو بن عيسى [ ص: 312 ] الضبعي حدثنا أبو بحر البكراوي، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس قال: «رأى محمد ربه».

فمداره على أبي بحر عن شعبة، وفي مفرده نظر، يحتمل أن يكون اشتبه عليه ذلك ببعض أحاديث قتادة في هذا الباب، فإنه روى عن عكرمة وغيره ذكر الرؤية، وإلا فانفراده من بين أصحاب شعبة ريبة توجب نظرا.

وقد روى الطبراني في (السنة) في (باب رؤية محمد ربه) في قوله تعالى فأوحى إلى عبده ما أوحى [النجم: 10] حدثنا محمد بن علي الصائغ، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا [ ص: 313 ] الحارث بن عبيد أبو قدامة الإيادي، عن أبي عمران الجوني، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت النور الأعظم ولط دوني الحجاب رفرفة الدر والياقوت، فأوحى الله إلي ما شاء أن يوحي» قال: حدثنا يوسف القاضي، حدثنا المقدمي، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، حدثنا قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس وأبي ذر في [ ص: 314 ] قوله: فأوحى إلى عبده ما أوحى [النجم: 10] قالا: «عبده محمد صلى الله عليه وسلم».

فإن قيل: فقد روى الخلال: حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا أبو داود المباركي، حدثنا حماد بن دليل، عن سفيان بن سعيد، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب [ ص: 315 ] أو عبد الرحمن بن سابط، عن أبي ثعلبة الخشني، عن أبي عبيدة بن الجراح، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما كنت ليلة أسري بي رأيت ربي في أحسن صورة، فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال: قلت: لا أدري، قال: فوضع يده حتى وجدت -فذكر كلمة ذهبت عني- قال: ثم قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال: قلت: في الكفارات والدرجات، قال: وما الكفارات؟ قلت: إسباغ الوضوء في المسرات، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة. قال: وما الدرجات؟ قلت: إطعام الطعام، وإفشاء السلام، وصلاة بالليل والناس نيام، قال [ ص: 316 ] قل، قلت: وما أقول؟ قال: قل اللهم إني أسألك عملا بالحسنات، وترك المنكرات، وإذا أردت في قوم فتنة وأنا فيهم فاقبضني إليك غير مفتون».

وقد ذكر القاضي أبو يعلى هذا الحديث في كتاب (إبطال التأويل) أول ما ذكره من أحاديث هذا الجنس الذي فيه رؤيته في أحسن صورة، وأثبت ذلك يقظة، وتكلم عليه كما تكلم على غيره من الأخبار، فأبطل التأويل؛ إذ المتأولون كالمريسي وذويه وابن فورك ونحوه يجعلون هذا في اليقظة ويتأولونه كما [ ص: 317 ] فعله المؤسس.

التالي السابق


الخدمات العلمية