الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              صفحة جزء
                                                                                              182 [ 100 ] وعنه ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلم به .

                                                                                              رواه أحمد ( 2 \ 393 و 425 و 474 و 481 ) ، والبخاري ( 2528 ) ، ومسلم ( 127 ) ، وأبو داود ( 2209 ) ، والترمذي ( 1183 ) ، والنسائي ( 6 \ 156 - 157 ) ، وابن ماجه ( 2040 ) .

                                                                                              التالي السابق


                                                                                              و (قوله - عليه الصلاة والسلام - : " إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ") روايتنا : نصب أنفسها ، على أنه مفعول حدثت ، وفي حدثت ضمير فاعل عائد على الأمة . وأهل اللغة يقولون : أنفسها بالرفع على أنه فاعل حدثت ، يريدون بغير اختيار ; قاله الطحاوي .

                                                                                              قال المؤلف - رحمه الله - : يعني : أن الذي لا يؤاخذ به هي الأحاديث الطارئة التي لا ثبات لها ، ولا استقرار في النفس ، ولا ركون إليها . وهذا نحو مما قاله القاضي أبو بكر في قوله - عليه الصلاة والسلام - عن الله : إذا هم عبدي بحسنة ، فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل ، فإذا عملها ، فأنا أكتبها له عشرا ، وإذا هم بسيئة ، فأنا أغفرها له ما لم يعملها ، فإذا عملها ، فأنا أكتبها له سيئة واحدة .

                                                                                              قال القاضي : إن الهم هاهنا : ما يمر بالفكر من غير استقرار ولا توطين ، فلو استمر ووطن نفسه عليه ، لكان ذلك هو العزم المؤاخذ به أو المثاب عليه ; بدليل قوله - عليه الصلاة [ ص: 341 ] والسلام - : إذا التقى المسلمان بسيفيهما ، فالقاتل والمقتول في النار ، قالوا : يا رسول الله ، هذا القاتل ، فما بال المقتول ؟ قال : إنه كان حريصا على قتل صاحبه .

                                                                                              لا يقال : هذه المؤاخذة هنا إنما كانت لأنه قد عمل بما استقر في قلبه من حمله السلاح عليه ، لا بمجرد حرص القلب ; لأنا نقول : هذا فاسد ; لأنه - عليه الصلاة والسلام - قد نص على ما وقعت المؤاخذة به ، وأعرض عن غيره ، فقال : إنه كان حريصا على قتل صاحبه ، فلو كان حمل السلاح هو العلة للمؤاخذة أو جزءها ، لما سكت عنه ، وعلق المؤاخذة على غيره ; لأن ذلك خلاف البيان الواجب عند الحاجة إليه ، وهذا الذي صار إليه القاضي ، هو الذي عليه عامة السلف وأهل العلم ; من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين .

                                                                                              ولا يلتفت إلى من خالفهم في ذلك ; فزعم : أن ما يهم به الإنسان ، وإن وطن نفسه عليه ، لا يؤاخذ به ; متمسكا في ذلك بقوله تعالى : ولقد همت به وهم بها [ يوسف : 24 ] وبقوله - عليه الصلاة والسلام - : ما لم يعمل أو يتكلم به ، ومن لم يعمل بما عزم عليه ولا نطق به ، فلا يؤاخذ به ، وهو متجاوز عنه ، والجواب عن الآية : أن من الهم ما يؤاخذ به ، وهو ما استقر واستوطن ، ومنه ما يكون أحاديث لا تستقر ; فلا يؤاخذ بها ; كما شهد به الحديث ، وما في الآية من القسم الثاني لا الأول ، وفي الآية تأويلات هذا أحدها ، وبه يحصل الانفصال .

                                                                                              وعن قوله " ما لم يعمل " أن توطين النفس عليه عمل يؤاخذ به ، والذي يرفع الإشكال ، ويبين المراد بهذا الحديث : حديث أبي كبشة الأنماري ، واسمه عمر بن سعد - على ما قاله خليفة بن خياط - : أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إنما الدنيا لأربعة نفر . . الحديث إلى آخره ، وقد ذكرناه .




                                                                                              الخدمات العلمية