الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر قتل شهاب الدين الغوري

في هذه السنة ، أول ليلة من شعبان قتل شهاب الدين أبو المظفر محمد بن سام الغوري ملك غزنة وبعض خراسان بعد عوده من لهاوور ، بمنزل يقال له دميل ، وقت صلاة العشاء .

وكان سبب قتله أن نفرا من الكفار الكوكرية لزموا عسكره عازمين على قتله ، لما فعل بهم من القتل والأسر والسبي ، فلما كان هذه الليلة تفرق عنه أصحابه ، وكان قد [ ص: 215 ] عاد ومعه من الأموال ما لا يحد ، فإنه كان عازما على قصد الخطا ، والاستكثار من العساكر ، وتفريق المال فيهم ، وقد أمر عساكره بالهند باللحاق به ، وأمر عساكره الخراسانية بالتجهز إلى أن يصل إليهم ، فأتاه الله من حيث لم يحتسب ، ولم يغن عنه ما جمع من مال وسلاح ورجال ، لكن كان على نية صالحة من قتال الكفار .

فلما تفرق عنه أصحابه ، وبقي وحده في خركاه ، ثار أولئك النفر ، فقتل أحدهم بعض الحراس بباب سرادق شهاب الدين ، فلما قتلوه صاح ، فثار أصحابه من حول السرادق لينظروا ما بصاحبهم ، فأخلوا مواقفهم ، وكثر الزحام ، فاغتنم الكوكرية غفلتهم عن الحفظ ، فدخلوا على شهاب الدين وهو في الخركاه ، فضربوه بالسكاكين اثنتين وعشرين ضربة فقتلوه ، فدخل عليه أصحابه ، فوجدوه على مصلاه قتيلا وهو ساجد ، فأخذوا أولئك الكفار فقتلوهم ، وكان فيهم اثنان مختونان .

وقيل إنما قتله الإسماعيلية لأنهم خافوا خروجه إلى خراسان ، وكان له عسكر يحاصر بعض قلاعهم على ما ذكرناه .

فلما قتل اجتمع الأمراء عند وزيره مؤيد الملك بن خوجا سجستان ، فتحالفوا على حفظ الخزانة والملك ، ولزوم السكينة إلى أن يظهر من يتولاه ، وأجلسوا شهاب الدين وخيطوا جراحه وجعلوه في المحفة وساروا به ، ورتب الوزير الأمور ، وسكن الناس بحيث لم ترق محجمة دم ، ولم يوجد في أحد شيء .

وكانت المحفة محفوفة بالحشم ، والوزير ، والعسكر ، والشمسة ، على حاله في حياته ، وتقدم الوزير إلى أمير داذ العسكر بإقامة السياسة ، وضبط العسكر ، وكانت الخزانة التي في صحبته ألفي حمل ومائتي حمل ، وشغب الغلمان الأتراك الصغار لينهبوا المال ، فمنعهم الوزير والأمراء الكبار من المماليك ، وهو صونج صهر ألدز وغيره ، وأمروا كل من له إقطاع عند قطب الدين أيبك مملوك شهاب الدين ببلاد الهند بالعود إليه ، وفرقوا فيهم أموالا كثيرة فعادوا .

[ ص: 216 ] وسار الوزير ومعه من له إقطاع وأهل بغزنة ، وعلموا أنه يكون بين غياث الدين محمود بن غياث الدين أخي شهاب الدين الأكبر ، وبين بهاء الدين صاحب باميان ، وهو ابن أخت شهاب الدين ، حروب شديدة ، وكان ميل الوزير والأتراك وغيرهم إلى غياث الدين محمود ، وكان الأمراء الغورية يميلون إلى بهاء الدين سام ، صاحب باميان ، فأرسل كل طائفة إلى من يميلون إليه يعرفونه قتل شهاب الدين وجلية الأمور .

وجاء بعض المفسدين من أهل غزنة ، فقال للمماليك : إن فخر الدين الرازي قتل مولاكم لأنه هو أوصل من قتله ، بوضع من خوارزم شاه ، فثاروا به ليقتلوه ، فهرب ، وقصد مؤيد الملك الوزير ، فأعلمه الحال فسيره سرا إلى مأمنه .

ولما وصل العسكر والوزير إلى فرشابور اختلفوا ، فالغورية يقولون نسير إلى غزنة على طريق مكرهان ، وكان غرضهم أن يقربوا من باميان ليخرج صاحبها بهاء الدين سام فيملك الخزانة ، وقال الأتراك بل نسير على طريق سوران ، وكان مقصودهم أن يكونوا قريبا من تاج الدين ألدز مملوك شهاب الدين ، وهو صاحب كرمان - مدينة بين غزنة ولهاوور ، وليست بكرمان التي تجاور بلاد فارس - ليحفظ ألدز الخزانة ، ويرسلوا من كرمان إلى غياث الدين يستدعونه إلى غزنة ويملكونه .

وكثر بينهم الاختلاف ، حتى كادوا يقتتلون ، فتوصل مؤيد الملك مع الغورية حتى أذنوا له وللأتراك بأخذ الخزانة والمحفة التي فيها شهاب الدين والمسير على كرمان ، وساروا هم على طريق مكرهان ، ولقي الوزير ومن معه مشقة عظيمة ، وخرج عليهم الأمم الذين في تلك الجبال التيراهية وأوغان وغيرهم ، فنالوا من أطراف العسكر إلى أن وصلوا إلى كرمان ، فخرج إليهم تاج الدين ألدز يستقبلهم ، فلما عاين المحفة ، وفيها شهاب الدين ميتا ، نزل وقبل الأرض على عادته في حياة شهاب الدين ، وكشف عنه ، فلما رآه ميتا مزق ثيابه وصاح وبكى فأبكى الناس ، وكان يوما مشهودا .

التالي السابق


الخدمات العلمية