الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر حصر جلال الدين خلاط وملكها .

وفي هذه السنة أوائل شوال ، حصر جلال الدين خوارزم شاه مدينة خلاط ، وهي للملك الأشرف ، وبها عسكره ، فامتنعوا بها ، وأعانهم أهل البلد خوفا من جلال الدين لسوء سيرته ، وأسرفوا في الشتم والسفه ، فأخذه اللجاج معهم ، وأقام عليهم جميع الشتاء محاصرا ، وفرق كثيرا من عساكره في القرى والبلاد القريبة من شدة البرد وكثرة الثلج ، فإن خلاط من أشد البلاد بردا وأكثرها ثلجا .

وأبان جلال الدين عن عزم قوي ، وصبر تحار العقول منه ، ونصب عليها عدة مجانيق ، ولم يزل يرميها بالحجارة حتى خربت بعض سورها ، فأعاد أهل البلد [ ص: 439 ] عمارته ، ولم يزل مصابرهم وملازمهم إلى أواخر جمادى الأولى من سنة سبع وعشرين [ وستمائة ] ، فزحف إليها زحفا متتابعا وملكها عنوة وقهرا يوم الأحد الثامن والعشرين من جمادى الأولى ، سلمها إليه بعض الأمراء غدرا .

فلما ملك البلد ، صعد من فيه من الأمراء إلى القلعة التي لها وامتنعوا بها ، وهو منازلهم ، ووضع السيف في أهل [ البلد ] ، وقتل من وجد به منهم ، وكانوا قد قلوا ، فإن بعضهم فارقوه خوفا ، وبعضهم خرج منه من شدة الجوع ، وبعضهم مات من القلة وعدم القوت ، فإن الناس في خلاط أكلوا الغنم ، ثم البقر ، ثم الجواميس ، ثم الخيل ، ثم الحمر ، ثم البغال والكلاب والسنانير ، وسمعنا أنهم كانوا يصطادون الفأر ويأكلونه ، وصبروا صبرا لم يلحقهم فيه أحد .

ولم يملك من بلاد خلاط غيرها ، وما سواها من البلاد لم يكونوا ملكوه ، وخربوا خلاط ، وأكثروا القتل فيها ، ومن سلم هرب في البلاد ، وسبوا الحريم ، واسترقوا الأولاد ، وباعوا الجميع ، فتمزقوا كل ممزق ، وتفرقوا في البلاد ، ونهبوا الأموال ، وجرى على أهلها ما لم يسمع بمثله أحد ، لا جرم لم يمهله الله - تعالى ، وجرى عليه من الهزيمة بين المسلمين والتتر ما نذكره إن شاء الله تعالى .

التالي السابق


الخدمات العلمية