الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر دخول التتر ديار بكر والجزيرة ، وما فعلوه في البلاد من الفساد .

لما انهزم جلال الدين من التتر على آمد ، نهب التتر سواد آمد وأرزن وميافارقين ، وقصدوا مدينة أسعرد ، فقاتلهم أهلها ، فبذل لهم التتر الأمان ، فوثقوا منهم واستسلموا ، فلما تمكن التتر منهم ، وضعوا فيهم السيف وقتلوهم حتى كادوا يأتون عليهم ، فلم يسلم منهم إلا من اختفى ، وقليل ما هم .

حكى لي بعض التجار ، وكان قد وصل آمد ، أنهم حزروا القتلى ما يزيد على خمسة عشر ألف قتيل ، وكان مع هذا التاجر جارية من أسعرد ، فذكرت أن سيدها خرج ليقاتل ، وكان له أم ، فمنعته ، ولم يكن لها ولد سواه ، فلم يصغ إلى قولها ، فمشت معه ، فقتلا جميعا ، وورثها ابن أخ للأم ، فباعها من هذا التاجر ، وذكرت من كثرة القتلى أمرا عظيما ، وأن مدة الحصار كانت خمسة أيام .

ثم ساروا منها إلى مدينة طنزة ففعلوا فيها كذلك ، وساروا من طنزة إلى واد بالقرب من طنزة يقال له وادي القريشية ، فيه مياه جارية ، وبساتين كثيرة ، والطريق إليه ضيق ، فقاتلهم أهل القريشية فمنعوهم عنه ، وامتنعوا عليهم ، وقتل بينهم كثير ، فعاد التتر ولم يبلغوا منهم غرضا ، وساروا في البلاد لا مانع يمنعهم ، ولا أحد يقف بين أيديهم ، فوصلوا إلى ماردين فنهبوا ما وجدوا من بلدها ، واحتمى صاحب ماردين وأهل دنيسر بقلعة ماردين ، وغيرهم ممن جاور القلعة احتمى بها أيضا .

ثم وصلوا إلى نصيبين الجزيرة ، فأقاموا عليها بعض نهار ، ونهبوا سوادها وقتلوا [ ص: 449 ] من ظفروا به ، وغلقت أبوابها ، فعادوا عنها ، ومضوا إلى بلد سنجار ، ووصلوا إلى الجبال من أعمال سنجار ، فنهبوها ودخلوا إلى الخابور ، فوصلوا إلى عرابان ، فنهبوا ، وقتلوا ، وعادوا .

ومضى طائفة منهم على طريق الموصل ، فوصل القوم إلى قرية تسمى المؤنسة ، وهي على مرحلة من نصيبين ، بينها وبين الموصل ، فنهبوها واحتمى أهلها وغيرهم بخان فيها ، فقتلوا كل من فيه .

وحكي لي عن رجل منهم أنه قال : اختفيت منهم ببيت فيه تبن ، فلم يظفروا بي ، وكنت أراهم من نافذة في البيت ، فكانوا إذا أرادوا قتل إنسان ، فيقول : لا بالله ، فيقتلونه ، فلما فرغوا من القرية ، ونهبوا ما فيها ، وسبوا الحريم ، رأيتهم وهم يلعبون على الخيل ، ويضحكون ، ويغنون بلغتهم بقول : لا بالله .

ومضى طائفة منهم إلى نصيبين الروم ، وهي على الفرات ، وهما من أعمال آمد ، فنهبوها ، وقتلوا فيها ، ثم عادوا إلى آمد ، ثم إلى بلد بدليس ، فتحصن أهلها بالقلعة وبالجبال ، فقتلوا فيها يسيرا ، وأحرقوا المدينة .

وحكى إنسان من أهلها ، قال : لو كان عندنا خمس مائة فارس ، لم يسلم من التتر أحد ; لأن الطريق ضيق بين الجبال ، والقليل يقدر على منع الكثير .

ثم ساروا من بدليس إلى خلاط ، فحصروا مدينة من أعمال خلاط يقال لها : باكرى ، وهي من أحصن البلاد ، فملكوها عنوة ، وقتلوا كل من بها ، وقصدوا مدينة أرجيش من أعمال خلاط ، وهي مدينة كبيرة عظيمة ، ففعلوا كذلك ، وكان هذا في ذي الحجة .

ولقد حكي لي عنهم حكايات يكاد سامعها يكذب بها من الخوف الذي ألقى الله - سبحانه وتعالى - في قلوب الناس منهم ، حتى قيل : إن الرجل الواحد منهم كان يدخل القرية أو الدرب وبه جمع كثير من الناس ، فلا يزال يقتلهم واحدا بعد واحد ، لا يتجاسر أحد [ أن ] يمد يده إلى ذلك الفارس .

ولقد بلغني أن إنسانا منهم أخذ رجلا ، ولم يكن مع التتري ما يقتله به ، فقال له : ضع رأسك على الأرض ولا تبرح ، فوضع رأسه على الأرض ، ومضى التتري فأحضر سيفا وقتله به .

وحكى لي رجل قال : كنت أنا ومعي سبعة عشر رجلا في طريق ، فجاءنا فارس [ ص: 450 ] من التتر ، وقال لنا حتى يكتف بعضنا بعضا ، فشرع أصحابي يفعلون ما أمرهم ، فقلت لهم : هذا واحد فلم لا نقتله ونهرب ؟ فقالوا : نخاف . فقلت : هذا يريد قتلكم الساعة ، فنحن نقتله ، فلعل الله يخلصنا ، فوالله ما جسر أحد [ أن ] يفعل ، فأخذت سكينا وقتلته وهربنا فنجونا ، وأمثال هذا كثير .

التالي السابق


الخدمات العلمية