الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وذبح لصنم .

التالي السابق


( و ) لا يجوز أكل لحم ( ذبح ) بكسر الذال المعجمة أي : مذبوح ( ل ) معبود غير الله تبارك وتعالى ك ( صنم ) أي : حجر مصور بصورة آدمي أو ملك أو صليب أو المسيح ، واللام للاستحقاق أي لا يؤكل ما ذبحه كتابي لصنم يستحقه دون غيره في زعمه ; لأنه مما أهل به لغير الله تعالى بأن قال باسم الصنم مثلا بدل بسم الله ، فإن ذكر اسم الله تعالى عليه أيضا فيؤكل تغليبا لاسم الله تعالى ; لأنه يعلو ولا يعلى عليه مع أنه يبعد قصده اختصاصه بالصنم مع ذكر اسم الله تعالى ، إذ لا يصدق عليه عند [ ص: 413 ] ذكر اسم الله تعالى أنه ذبح لصنم ما يستحقه دون غيره في زعمه ، ولام التعليل لا تفيد الاستحقاق ولذا كانت لام لصليب الآتية تعليلة قاله عب الرماصي ذكره من الشروط أن لا يذكر اسم غير الله عليه فيه نظر ، فقد أجاز مالك " رضي الله عنه " في المدونة أكل ما ذكر عليه اسم المسيح مع الكراهة . ابن عرفة وفيما ذكروا عليه اسم المسيح الكراهة والإباحة لابن حارث عن رواية ابن القاسم مع رواية أشهب ، وقوله قائلا أباح الله تعالى لنا ذبائحهم وعلم ما يفعلون ا هـ . وسيقول المصنف فيما يكره وذبح لصليب أو عيسى وليس تحريم المذبوح للصنم لكونه ذكر عليه اسمه بل لكونه لم تقصد ذكاته ، وإلا فلا فرق بينه وبين الصليب قاله التونسي .

وقال ابن عطية في قوله تعالى { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } ذبائح أهل الكتاب عند جمهور العلماء في حكم ما ذكر اسم الله عليه من حيث لهم دين شرع . وقال قوم نسخ من هذه الآية حل ذبح أهل الكتاب قاله عكرمة والحسن بن أبي الحسن ، وقال في قوله تعالى { وما أهل به لغير الله } ، قال ابن عباس وغيره رضي الله تعالى عنهم المراد ما ذبح للأصنام والأوثان وأهل معناه صيح ومنه استهلال المولود ، وجرت عادة العرب بالصياح باسم المقصود بالذبيحة وغلب في استعمالهم حتى عبر به عن النية التي هي علة التحليل ، ثم قال والحاصل أن ذكر اسم غير الله لا يوجب التحريم عند مالك " رضي الله عنه " فيها الذي درج عليه المصنف في قوله وذبح لصليب أو عيسى وإنما هو مكروه فقط وعند ابن القاسم محرم ا هـ .

البناني الظاهر أن المراد بالصنم كل ما عبد من دون الله تعالى بحيث يشمل الصليب والمسيح وغيرهما ، وأن هذا شرط ثالث في أكل ذبيحة الكتابي كما في تت و ز وهو الذي ذكره أبو الحسن في شرح المدونة ، وصرح به ابن رشد في سماع ابن القاسم من كتاب الذبائح ، ونصه كره مالك " رضي الله عنه " ما ذبحه أهل الكتاب لكنائسهم وأعيادهم ; لأنه رآه مضاهيا لقول الله عز وجل { أو فسقا أهل لغير الله به } ولم يحرمه إذا لم ير الآية متناولة له [ ص: 414 ] وإنما رآها مضاهية له ; لأنها عنده وإنما معناها فيما ذبحوه لآلهتهم مما لا يأكلونه . قال وقد مضى هذا المعنى في سماع عبد الملك من كتاب الضحايا ، وقال في سماع عبد الملك من أشهب وسألته عما ذبح للكنائس قال لا بأس بأكله .

ابن رشد كره مالك " رضي الله عنه " في المدونة أكل ما ذبحوه لأعيادهم وكنائسهم ، ووجه قول أشهب أن ما ذبحوه لكنائسهم لما كانوا يأكلونه وجب أن يكون حلالا لنا ; لأن الله تبارك وتعالى قال { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } وإنما تأول قول الله عز وجل { أو فسقا أهل لغير الله به } فيما ذبحوه لآلهتهم مما يتقربون به إليها ولا يأكلونه فهذا حرام علينا بدليل الآيتين جميعا ا هـ . فتبين أن ذبح أهل الكتاب إن قصدوا به التقرب لآلهتهم فلا يؤكل ; لأنهم لا يأكلونه فهو ليس من طعامهم ولم يقصدوا بذكاته إباحته وهذا هو المراد هنا . وأما ما يأتي من المكروه في ذبح لصليب إلخ فالمراد به ما ذبحوه لأنفسهم وسموا عليه اسم آلهتهم فهذا يؤكل بكره ; لأنه من طعامهم . وفي ابن ناجي على الرسالة ما نصه . وأما ما ذبح للأصنام فإنه حرام باتفاق أهل المذهب . ابن هارون وكذا عندي ما ذبح للمسيح بخلاف ما سموا عليه المسيح يعني فلا يحرم ا هـ . وقد غاب ما تقدم عن طفي فاعترض على تت ومن تبعه والكمال لله وحمل بعضهم ما هنا على ذبح المجوسي وما يأتي على ذبح أهل الكتاب لما ذكروه من أن الصنم للمجوس والصليب للنصارى ، وهذا وإن كان صحيحا في نفسه لكن الحمل الأول أولى ; لأن ذبح المجوسي يغني عنه قوله يناكح ولأنه إن حمل عليه كلام المصنف فإنه ما تقدم من التفصيل المفيد للشرط الثالث في أكل ذبيحة أهل الكتاب والله أعلم . وقوله بأن قال باسم الصنم إلخ غير صواب وكان حقه لو قال بأن قصد به التقرب إليه كما تقدم . وأما مجرد ذكر الاسم عليه فلا يحرمه وهو المراد بما يأتي ذكر معه اسم الله أم لا .




الخدمات العلمية