الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  5158 [ ص: 92 ] 8 - حدثنا أبو نعيم، حدثنا زكرياء، عن عامر، عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صيد المعراض قال: ما أصاب بحده فكله، وما أصاب بعرضه فهو وقيذ، وسألته عن صيد الكلب فقال: ما أمسك عليك فكل فإن أخذ الكلب ذكاة، وإن وجدت مع كلبك أو كلابك كلبا غيره فخشيت أن يكون أخذه معه وقد قتله فلا تأكل فإنما ذكرت اسم الله على كلبك ولم تذكره على غيره.

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة ظاهرة على تقدير وجود قوله: "باب التسمية على الصيد" وإلا فلقوله: "كتاب الصيد والذبائح" والتسمية على الصيد أظهر; لأن في الحديث ثلاثة أشياء: مشروعية الصيد، ووجوب ذكاته حقيقة أو حكما، ووجوب التسمية، وللترجمة ثلاثة أجزاء، يطابق كل واحد من الثلاثة المذكورة كل واحد من أجزاء الترجمة.

                                                                                                                                                                                  وأبو نعيم الفضل بن دكين، وزكريا هو ابن أبي زائدة، وعامر هو الشعبي، وعدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد الطائي الجواد بن الجواد، وكان إسلامه سنة الفتح وثبت هو وقومه على الإسلام، نزل الكوفة وشهد الفتوح بالعراق، ثم كان مع علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، ومات بالكوفة زمن المختار سنة ثمان وستين وهو ابن عشرين ومائة سنة، ويقال: مات بقرقيسيا، وقال أبو حاتم في (كتاب المعمرين) قالوا: عاش عدي بن حاتم مائة وثمانين سنة وكان أعور.

                                                                                                                                                                                  والحديث مضى في كتاب الطهارة في باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان من غير ذكر قصة المعراض، ومضى أيضا في أوائل كتاب البيوع في باب تفسير المشبهات بتمامه، وأخرجه مسلم في الصيد عن محمد بن عبد الله بن نمير وغيره، وأخرجه الترمذي فيه عن يوسف بن عيسى وغيره، وأخرجه النسائي فيه عن سويد بن نصر وآخرين، وأخرجه ابن ماجه فيه عن عمرو بن عبد الله الأزدي وغيره.

                                                                                                                                                                                  قوله: "عن عدي بن حاتم" وفي رواية الإسماعيلي: حدثنا عامر حدثنا عدي بن حاتم، وأشار بهذا إلى أن زكرياء مدلس وقد عنعن، قلت: عن قريب يأتي عن الشعبي سمعت عدي بن حاتم.

                                                                                                                                                                                  قوله: "المعراض" بكسر الميم وسكون العين المهملة وفي آخره ضاد معجمة، قال الخليل وآخرون: هو سهم لا ريش له ولا نصل، وقال ابن دريد وابن سيده: سهم طويل له أربع قذذ رقاق فإذا رمي به اعترض، وقال الخطابي: المعراض نصل عريض له ثقل ورزانة، وقيل: عود رقيق الطرفين غليظ الوسط وهو المسمى بالحذافة، وقيل: خشبة ثقيلة آخرها عصا محدد رأسها وقد لا يحدد، وقال ابن التين: المعراض عصا في طرفها حديدة يرمي الصائد بها الصيد فما أصاب بحده فهو ذكي فيؤكل وما أصاب بغير حده فهو وقيذ وهو معنى قوله: "فهو وقيذ" بفتح الواو وكسر القاف وبالذال المعجمة على وزن فعيل بمعنى مفعول، وقد مر تفسير الموقوذة عن قريب.

                                                                                                                                                                                  قوله: "فإن أخذ الكلب ذكاة" أي حكمه حكم التذكية فيحل أكله كما يحل أكل المذكاة.

                                                                                                                                                                                  قوله: "أو كلابك" شك من الراوي.

                                                                                                                                                                                  قوله: "كلبا غيره" أراد به كلبا لم يرسله من هو أهله.

                                                                                                                                                                                  وهذا الحديث مشتمل على أحكام قد ذكرناها فيما مضى من الأبواب التي ذكرناها، ولكن نذكر بعض شيء من ذلك لبعد المسافة فنقول:

                                                                                                                                                                                  الأول من الأحكام: مشروعية الصيد به وبالقرآن أيضا، وهو قوله تعالى: وإذا حللتم فاصطادوا وقال عياض: الاصطياد يباح لمن اصطاده للاكتساب والحاجة والانتفاع بالأكل والثمن، واختلفوا فيمن اصطاد للهو ولكن يقصد التذكية والإباحة والانتفاع، فكرهه مالك وأجازه الليث وابن عبد الحكم، فإن فعله بغير نية التذكية فهو حرام؛ لأنه فساد في الأرض وإتلاف نفس عبثا، وقد نهى سيدنا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - عن قتل الحيوان إلا لمأكلة، ونهى أيضا عن الإكثار من الصيد، وروى الترمذي من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مرفوعا: " من سكن البادية فقد جفا، ومن اتبع الصيد فقد غفل، ومن لزم السلطان افتتن " وقال: حسن غريب، وأعله الكرابيسي بأبي موسى أحد رواته وقال: حديثه ليس بالقائم، وروي أيضا من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف، وأيضا من حديث البراء بن عازب قال الدارقطني : تفرد به شريك.

                                                                                                                                                                                  الثاني: أن صيد [ ص: 93 ] المعراض إن لم يصبه بحده فلا يحل أكله.

                                                                                                                                                                                  الثالث: أن قتل الكلب المعلم ذكاة فإذا أكل فليس بمعلم، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، ومذهبهما أن تعليمه أن لا يأكل وهو شرط عندهما، وبه قال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وداود، وقال الشافعي في قول ضعيف، ومالك: ليس بشرط، وهو قول سلمان الفارسي، وسعد بن أبي وقاص، وعلي، وابن عمر، وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم، ومن التابعين قول سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والحسن، والزهري، واحتجوا بقوله تعالى: فكلوا مما أمسكن عليكم وإنه ذكاة يستباح بها الصيد فلا يفسد بأكله منه، وحجة الحنفية والشافعية قوله صلى الله عليه وسلم: "فإن أكل فلا تأكل فإنه لم يمسك عليك إنما أمسك على نفسه" على ما يأتي عن قريب في الباب الذي يلي هذا الباب.

                                                                                                                                                                                  (فإن قلت): قال القاضي في حديث عدي خلاف يعني في الحديث الذي يأتي وهو أن قوله: "فإنه لم يمسك عليك" إلى آخره ذكره الشعبي، ولم يذكره هشام وابن أبي مطر، وأيضا هو معارض بما روى أبو ثعلبة الخشني أنه قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: " كل وإن أكل منه " أخرجه أبو داود وسكت ولم يضعفه.

                                                                                                                                                                                  (قلت): في إسناده داود بن عمرو الدمشقي، قال ابن حزم : هذا حديث لا يصح، وداود هذا ضعيف ضعفه أحمد وقد ذكر بالكذب.

                                                                                                                                                                                  (فإن قلت): داود بن عمرو المذكور وثقه يحيى بن معين، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال ابن عدي: لا أرى بروايته بأسا، وقال أبو داود: صالح، وذكره ابن حبان في الثقات.

                                                                                                                                                                                  (قلت): وإن سلمنا هذا فهو لا يقاوم الذي في (الصحيح) ولا يقاربه.

                                                                                                                                                                                  وقيل: حديث أبي ثعلبة محمول على ما إذا أكل منه بعد أن قتله وخلاه وفارقه ثم عاد فأكل منه فهذا لا يضر، ومنهم من حمله على الجواز، وحديث عدي على التنزيه؛ لأنه كان موسعا عليه فأفتاه بالكف تورعا، وأبو ثعلبة كان محتاجا فأفتاه بالجواز.

                                                                                                                                                                                  الرابع: اشتراط التسمية؛ لأنه علل بقوله: "فإنما ذكرت اسم الله على كلبك ولم تذكره على غيره" وقال ابن بطال: اختلف العلماء في التسمية على الصيد والذبيحة فروي عن محمد بن سيرين، ونافع مولى عبد الله، والشعبي: أنها فريضة فمن تركها عامدا أو ساهيا لم يؤكل ما ذبحه، وهو قول أبي ثور والظاهرية، وذهب مالك والثوري وأبو حنيفة وأصحابهم إلى أنه إن تركها عامدا لم يؤكل وإن تركها ساهيا أكلت، وقال ابن المنذر: وهو قول ابن عباس، وأبي هريرة، وابن المسيب، والحسن بن صالح، وطاوس، وعطاء، والحسن بن أبي الحسن النخعي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وجعفر بن محمد، والحكم، وربيعة، وأحمد، وإسحاق، ورواه في (المصنف) عن الزهري وقتادة، وفي (المغني)، وعن أحمد رواية وهو المذهب أنها شرط إن تركها عمدا أو سهوا فهي ميتة، وفي رواية: إن تركها على إرسال السهم ناسيا أكل، وإن تركها على الكلب أو الفهد لم يؤكل، وقال الشافعي: يؤكل الصيد والذبيحة في الوجهين جميعا تعمد ذلك أو نسيه، روي ذلك عن أبي هريرة وابن عباس وعطاء.




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية