الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            ( ولو ) ( اتفق فرضان ) في الإبل ( كمائتي بعير ) ففيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون كما قال ( فالمذهب أنه لا يتعين أربع حقاق بل هن أو خمس بنات لبون ) إذ المائتان أربع خمسينات أو خمس أربعينات لخبر أبي داود وغيره عن كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم { فإذا كانت مائتين ففيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون أي السنين وجدت أخذت } هذا هو الجديد ، والقديم يتعين الحقاق لأنا متى وجدنا سبيلا في زكاة الإبل إلى زيادة السن كان الاعتبار بها أولى ، [ ص: 50 ] وحمله الأول على ما إذا لم يوجد عنده سواها ، والمسألة لها خمسة أحوال ; لأنه إما أن يوجد عنده كل الواجب بكل الحسابين أو بأحدهما دون الآخر ، أو يوجد بعضه بكل منهما أو بأحدهما ، أو لا يوجد شيء منهما وكلها تعلم من كلامه ، وقد شرع في بيان ذلك فقال ( فإن وجد بماله أحدهما ) تاما مجزيا ( أخذ ) منه وإن كان المفقود أغبط وأمكن تحصيله للخبر السابق ، ولا يجوز الصعود أو النزول مع الجبران لعدم الضرورة إليه ، وتعبيره بأخذ قد يقتضي أنه لو حصل المفقود ودفعه لا يؤخذ ، وتعبير الشرح والروضة والمحرر بلا يكلف تحصيل الآخر وإن كان أغبط يقتضي أنه لو حصله وبذله أجزأه لا سيما إن كان المفقود أغبط .

                                                                                                                            ويدل على ذلك كلام جماعة منهم الإمام والغزالي ، وقاساه على الاكتفاء بابن اللبون لفقد بنت المخاض ، وهو الأوجه وإن صرح جماعة بخلافه ، وأن الوجوب متعين فيه ( وإلا ) أي وإن لم يوجد بماله أحدهما بصفة الإجزاء بأن فقدا أو وجدا معيبين ، أو وجد بماله بعض كل منهما أو بعض أحدهما ، ويلحق بذلك ما لو وجدا نفيسين إذ لا يلزمه بذلهما ( فله تحصيل ما شاء ) منهما بشراء أو غيره ، وإن لم يكن أغبط لما في تعينه من المشقة في تحصيله ، ( وقيل يجب ) تحصيل ( الأغبط للفقراء ) إذ استواؤهما في العدم كاستوائهما في الوجود ، وعند وجودهما يجب الأغبط كما سيأتي ، ويرد بوضوح الفرق ، وأشار بقوله فله إلى جواز تركهما والنزول أو الصعود مع الجبران ، وله أن يجعل الحقاق أصلا ، ويصعد إلى أربع جذاع فيدفعها ويأخذ أربع جبرانات أو بنات لبون كذلك ، وينزل إلى خمس بنات مخاض فيخرجها ويدفع خمس جبرانات ، ويمنع أن يجعل بنات اللبون أصلا ويصعد إلى خمس جذعات ويأخذ عشر جبرانات ، كما يمتنع جعل الحقاق أصلا وينزل إلى أربع بنات مخاض ويدفع ثمان جبرانات لكثرة الجبران مع إمكان تقليله ، وله فيما إذا وجد بعض كل منهما كثلاث حقاق وأربع بنات لبون جعل الحقاق أصلا فيدفعها مع بنت لبون وجبران ، أو جعل بنات اللبون أصلا فيدفعها مع حقة ويأخذ جبرانا .

                                                                                                                            وله دفع حقة مع ثلاث بنات لبون وثلاث جبرانات لإقامة الشرع بنت اللبون مع الجبران مقام حقة ، وله فيما إذا وجد بعض أحدهما ، كما لو لم يجد إلا حقة دفعها مع ثلاث جذاع وأخذ ثلاث جبرانات ، [ ص: 51 ] وله دفع خمس بنات مخاض مع دفع خمس جبرانات ( وإن وجدهما في ماله ) بصفة الإجزاء ( فالصحيح ) المنصوص ( تعين الأغبط ) أي الأنفع منهما إن كان من غير الكرام إذ هي كالمعدومة كما بحثه السبكي وكلام المجموع ظاهر فيه ( للفقراء ) أي الأصناف ، وغلب الفقراء منهم لشهرتهم وكثرتهم .

                                                                                                                            والأصل في ذلك قوله تعالى { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون } ولأن كلا منهما فرضه ، فإذا اجتمعا روعي ما في حظ الأصناف إذ لا مشقة في تحصيله .

                                                                                                                            والثاني وخرجه ابن سريج إن أخرج عن محجور عليه تعين غير الأغبط أو عن نفسه تخير بينهما والأغبط أفضل كما يتخير في الجيران بين الشاة والدراهم وعند فقد الواجب بين صعوده ونزوله .

                                                                                                                            وأجيب عن الأول بأنه في الذمة فخيرناه ، بخلاف هذا فإنه متعلق بالعين فخيرنا مستحقه ، وعن الثاني بأن للمالك مندوحة عن الصعود والنزول معا بتحصيله الفرض ، وإنما شرع ذلك تخفيفا عليه ففوض الأمر إليه وهنا بخلافه ( ولا يجزي غيره إن دلس ) المالك بأن أخفى الأغبط ( أو قصر الساعي ) بأن أخذه عالما به من غير اجتهاد في الأغبط فيلزم المالك إخراج الأغبط ، ويرد الساعي ما أخذه إن كان باقيا وبدله إن كان تالفا ( وإلا ) أي وإن لم يدلس المالك ، ولم يقصر الساعي ( فيجزي ) أي يحسب عنها لمشقة الرد ، وليس المراد أنه يكفي كما أشار إليه بقوله ( والأصح ) مع إجزائه ( وجوب قدر التفاوت ) بينه وبين قيمة الأغبط إذ لم يدفع الفرض له بكماله فوجب جبر نقصه هذا إن اقتضت الغبطة زيادة في القيمة ، وإلا فلا يجب شيء قاله الرافعي ، والثاني لا يجب بل يسن لحسبان المخرج عن الزكاة فلا يجب معه غيره كما لو أدى اجتهاد الساعي الحنفي إلى أخذ القيمة حيث لا شيء معها

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            حاشية الشبراملسي

                                                                                                                            ( قوله : ففيها أربع حقاق ) الضمير للإبل ، وقد تقدم أنه يجوز تذكيره وتأنيثه ( قوله سبيلا ) أي طريقا [ ص: 50 ] قوله : وحمله الأول إلخ ) عبارة المحلي : وقطع بعض الأصحاب بالجديد وحمل القديم على ما إذا لم يوجد إلا الحقاق ا هـ .

                                                                                                                            وهي أظهر في حكاية الخلاف الذي يفهم من التعبير بالمذهب ( قوله : وهو الأوجه ) راجع لقوله أنه لو حصله وبذله أجزأه ( قوله أو بعض أحدهما ) أي ولم يوجد من آخر شيء ; لأنه لو وجد بعض الآخر اتحد مع قوله أو وجد بماله بعض كل منهما ( قوله : ويرد بوضوح الفرق ) أي وهو أن في تكليف الأغبط مع عدمه مشقة على المالك ولا مشقة في دفعه حيث كان موجودا ( قوله : وله دفع حقة مع ثلاث بنات لبون ) أي والفرض أن في ملكه ثلاث [ ص: 51 ] حقاق فيبقي حقتين ويدفع واحدة ( قوله وله دفع خمس بنات مخاض إلخ ) أي وليس له أن يدفع ثلاث بنات مخاض مع ست جبرانات على ما أفهمه قوله السابق : ويمتنع أن يجعل بنات اللبون إلخ ( قوله : فالصحيح تعين الأغبط ) أي وإن كان المال المحجور عليه ( قوله والثاني وخرجه ابن سريج ) عبارة المحلي : والثاني يتخير المالك بينهما كما لو لم يكونا عنده ا هـ .

                                                                                                                            وهو مخالف لكلام الشارح : أي فيحمل كلام المحلي على ما إذا أخرج عن نفسه ( قوله : وأجيب عن الأول ) هو قوله كما يتخير في الجيران إلخ ، والثاني هو قوله وعند فقد إلخ ( قوله : أو قصر الساعي ) ويصدق كل من المالك والساعي في عدم التدليس والتقصير فيؤخذ من المالك التفاوت ، وظاهره وإن دلت القرينة على تدليس المالك أو تقصير الساعي ( قوله : وبدله إن كان تالفا ) هل ذلك من ماله لتقصيره بعدم التحري أو من مال الزكاة ؟ فيه نظر ، والأقرب الأول للعلة المذكورة ( قوله : حيث لا شيء معها ) أي لا يجب شيء إلخ



                                                                                                                            حاشية المغربي

                                                                                                                            ( قوله : وحمله الأول ) غير صواب لأنه خلاف الواقع ويلزم عليه انتفاء الخلاف ، وحاصل الصواب أن للشافعي في المسألة قولين قديما وجديدا ، فاختلف الأصحاب في حكاية ذلك ، فمنهم من أثبتهما قولين وهو ما في المتن ، ومنهم من قطع بالجديد ونفى الخلاف ، وحمل القديم على ما ذكره الشارح ، وعبارة الروضة : إذا بلغت ماشيته حدا يخرج فرضه بحسابين كمائتين من الإبل فهل الواجب خمس بنات لبون أو أربع حقاق ؟ قال في القديم الحقاق وفي الجديد أحدهما .

                                                                                                                            قال الأصحاب : فيه طريقان : أحدهما على قولين أظهرهما الواجب أحدهما والثاني الحقاق ، والطريق [ ص: 51 ] الثاني القطع بالجديد وتأولوا القديم




                                                                                                                            الخدمات العلمية